تجلّى هذا المفهوم بوضوح خلال الحرب العالمية الثانية، حين طُلِب من الإحصائي أبراهام فالد، تحليل الطائرات العائدة من المعارك والمثقوبة بالرصاص. حيث كان الرأي السائد آنذاك، تعزيز المناطق المصابة، غير أن فالد اقترح العكس: وهو أن يتم تدعيم الأجزاء التي لم تُصَب، لأن الطائرات التي أُصيبت في تلك المواضع لم تعد إلى القاعدة أصلاً. والدرس في حد ذاته بسيط وعميق: فالبيانات الناقصة، دوماً ما تقودنا إلى استنتاجات خاطئة.
عالم النفس دانيال كانيمان، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، يحذر من الثقة المفرطة التي تولدها القصص الناجحة؛ إذ تميل عقولنا إلى نسج روايات منطقية بعد وقوع الحدث، متجاهلة دور الحظ والظروف والسياق. كما يشير نسيم نيكولاس طالب، إلى خطورة «وهم السرد»، حين نختزل النجاح في مهارة فردية ونغفل العوامل غير المرئية التي صنعت الفارق.
غير أن انحياز البقاء لا يقتصر على الأسواق فقط، بل تجده أيضاً في الحياة الاجتماعية، وهو عندما نقارن أنفسنا بمن نجحوا في علاقاتهم أو مساراتهم المهنية، دون أن نرى التجارب المتعثرة التي لم تُنشر. أما في التنمية الذاتية، فيحصل أننا قد نكرر وصفات جاهزة، لأن أصحابها نجحوا، من غير أن نسأل: كم شخصاً طبّق الخطوات ذاتها ولم يحصد النتيجة نفسها؟ والواقع إننا نستهلك قصصاً منتقاة بعناية، ثم نستغرب حين لا تتكرر النتائج بالسهولة الموعودة.
وهنا يبرز لنا هذا السؤال، كيف نتحرر من هذا الانحياز؟ ويكون ذلك أولاً، بالبحث عن «البيانات المفقودة» لا المتاحة فقط. ثانياً، بأن نتساءل قبل اتخاذ القرار: ماذا عن الذين لم ينجحوا؟ ثالثاً، بتحليل السياق لا الاكتفاء بالنتيجة.
القرار الحكيم لا يقوم على قصة ملهمة فحسب، بل على فهم احتمالات الفشل أيضاً. فحين ندرك أن النجاة ليست دائماً القاعدة، بل قد تكون استثناءً مضيئاً، نصبح أقدر على تقييم المخاطر، وتنويع الاستثمارات، وبناء خطط بديلة تحمي أحلامنا من الهشاشة.
وختاما، ليس المطلوب أن نطفئ الحلم، بل أن نحصّنه بالعقل.
[email protected]



