في أيامنا العادية، ننشغل بإشباع حاجات الجسد؛ نأكل حين نشتهي، ونشرب حين نعطش، ونلهث خلف رغباتٍ لا تنتهي. لكن في رمضان، يتغيّر المشهد، يتعلّم الإنسان أن يقول «لا» لما اعتاد عليه، وأن يقدّم طاعة الله على شهوة النفس، وهنا تبدأ الحياة الحقيقية للقلب.
الجوع يعلّمنا الصبر، والصبر يفتح أبواب الحكمة، حين تمتد ساعات النهار ويشتد العطش، يتذكر الصائم أن هناك من يعيش هذا الشعور قسرًا لا اختيارًا، فيرقّ قلبه، وتلين مشاعره، ويصبح العطاء لديه حاجةً لا تفضّلًا، وهكذا يتحوّل الجوع إلى جسرٍ نحو الرحمة.. وقد بيّن الله تعالى الحكمة من الصيام بقوله: «لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»
فالتقوى ليست كلمةً تُقال، بل حالةٌ يعيشها القلب، أن تستشعر مراقبة الله في السر والعلن، وأن تضبط سلوكك حتى حين لا يراك أحد، والصيام يدرّب الإنسان على هذا المعنى بعمق، لأنه عبادة خفيّة بين العبد وربه.
وحين يهدأ الجسد من صخبه، تتسع مساحة الروح ليجد الصائم في لحظات السكون لذّةً مختلفة، في تلاوة القرآن، في الدعاء قبل الإفطار، في قيام الليل، يشعر بخفةٍ لا تأتي من فراغ المعدة، بل من امتلاء القلب بالسكينة، وكأن الجوع يفسح المجال لنورٍ كان محجوبًا بضجيج الانشغال.
رمضان يعلّمنا أن الإنسان ليس جسدًا فقط، بل روحٌ تسكن جسدًا وإذا اعتنينا بالجسد وحده ضعف القلب، أما إذا غذّينا الروح بالإيمان والذكر والعمل الصالح، ازداد الإنسان توازنًا وقوة لذلك، فإن سرّ الصيام ليس في الحرمان، بل في التحرر، التحرر من سيطرة الشهوة، ومن عبودية العادة، ومن ثقل الغفلة.
حين يجوع الجسد ليحيا القلب، يدرك الإنسان أن أعظم أنواع الشبع هو شبع الروح، وأن أقسى أنواع الجوع هو جوع القيم والمعنى وفي نهاية الشهر، لا يكون الرابح من فقد وزنًا، بل من ربح قلبًا أكثر صفاءً، ونفسًا أكثر نقاءً، وعلاقةً أقرب إلى الله.. وهكذا يثبت رمضان في كل عام أن الجوع قد يكون بداية الحياة إذا كان الطريق إلى قلبٍ أكثر وعيًا، وروحٍ أكثر نورًا.
شمعة مضيئة:
رمضان رسالةً متجددة في حياة الإنسان، يذكّره بأن قوته الحقيقية لا تكمن في امتلاء معدته، بل في صفاء قلبه، فإذا كان الجسد يجوع ساعاتٍ معدودة، فإن الروح تشبع إيمانًا وطمأنينةً تدوم طويلًا وما أجمل أن نخرج من هذا الشهر وقد تعلّمنا أن نُحسن الاختيار، وأن نقدّم المعنى على المظهر، والجوهر على الرغبة العابرة، فليكن جوعنا في رمضان بداية حياةٍ أصدق، وقلبٍ أنقى، وخطوةٍ ثابتة نحو الله.
من محطة رمضان حين يجوع الجسد ليحيا القلب أحدثكم.. «قلمي»
[email protected]



