هناك نوع خفي من الغيرة يمارسه بعض المدراء تجاه الموظف المتميّز، ذاك الذي يعمل بإخلاص وينجز بذكاء، ويترك أثراً واضحاً في المكان. فالموظف المتميّز لا يطلب الضوء لكنه يجده. لا يسعى لإحراج أحد لكن نجاحه يضع الآخرين في مرآة المقارنة. وهنا تبدأ المشكلة؛ ليس لأن الموظف أخطأ بل لأن تميّزه أيقظ خوفاً دفيناً لدى مدير لم يصالح ذاته بعد.
غيرة المدير لا تأتي غالباً بصوت عالٍ بل بهدوء مريب. تبدأ بتقليل الإنجازات «هذا العمل كان جماعياً» أو نجح لأن الظروف ساعدته، ثم تتحوّل إلى سحب الصلاحيات أو تأجيل الترقيات، أو استبعاده من الاجتماعات المهمة وكأن النجاح جريمة يجب تحجيمها لا مكافأتها.
المدير الغيور لا يخشى الموظف بل يخشى المقارنة، يخاف أن يطرح سؤال بسيط في يوم ما «لماذا لا يكون هذا الموظف في موقع القيادة؟»، فيتحوّل من قائدٍ يفترض أن يصنع النجوم إلى حارس قلق يطفئ أي بريق لا يملكه.
والأخطر من الغيرة نفسها هو أثرها على بيئة العمل. فحين يرى بقية الموظفين أن التميّز يعاقب لا يكافَأ، يبدأ الجميع بخفض السقف. يختفي الإبداع ويتحوّل العمل إلى أداء آليّ بلا روح. فالناس لا يتوقفون عن الإبداع لأنهم لا يستطيعون، بل لأنهم لا يشعرون بالأمان وهم يبدعون.
القيادة الحقيقية لا تخاف من التفوّق حولها بل تستثمر فيه. والمدير الواثق يعرف أن نجاح فريقه امتداد لنجاحه لا تهديد له. يفرح حين يلمع أحد موظفيه لأنه يدرك أن القائد لا يقاس بما يعرفه وحده، بل بما يسمح للآخرين أن يعرفوه ويقدّموه.
أما الموظف المتميّز فغالباً ما يدفع ثمناً صامتاً. يتعلم أن يخفّف صوته أو يدفن أفكاره، أو يبحث عن مكان آخر يقدّر فيه عطاؤه. وفي الحالتين تخسر المؤسسة إما طاقة محبطة أو موهبة مهاجرة.
خلاصة القول: غيرة بعض المدراء ليست مشكلة أشخاص بل مشكلة وعي. وعي بالذات وبمفهوم القيادة، وبأن الكرسي لا يحمي صاحبه إذا كان خائفاً. فالمدير الذي يخاف من موظف متميّز لم يخسر منصبه بعد لكنه خسر دوره الحقيقي.
[email protected]



