فليست البداية دائمًا مالًا، بل قد تكون مكالمة هاتفية، يتبعها إلحاح ذكي لا يعرف الاستسلام. هكذا وُلدت «فيرجن أتلانتيك»؛ لا من خزائن البنوك، بل من عقل رائد أعمال أدرك مبكرًا أن الإقناع أصل من أصول التجارة.
في مطلع الثمانينيات، قرر برانسون دخول أحد أكثر القطاعات احتكارًا وكلفة: الطيران العابر للأطلسي. كان الجميع يراه مشروعًا مستحيلًا، فطائرة واحدة من طراز «بوينغ 747» كانت تُقدَّر بمئات الملايين من الدولارات. غير أن برانسون لم يطرح السؤال التقليدي: كم أحتاج من المال؟ بل طرح سؤالًا أكثر ذكاءً: من يملك ما أحتاج؟
بدأ بمحاولة بدت ساذجة في ظاهرها: الاتصال بمقسم شركة بوينغ. لم يكن يملك رَقَم مدير، ولا توصية، ولا نفوذًا. اتصل، ورُفض. أعاد الاتصال، وحُوِّل. كرر المحاولة حتى وصل إلى مسؤول المبيعات التجارية، الذي أخبره بوضوح: «في كل دولة لدينا عميل واحد، وفي بريطانيا عميلنا هو الخطوط الجوية البريطانية».
هنا لم يجادل برانسون، ولم يعترض. غيّر زاوية الحديث بهدوء وقال: «أتفق معك تمامًا، لكن دعني أسألك: هل لديكم طائرة غير مستخدمة حاليًا؟». لم يكن السؤال عن الشراء، بل عن أصل خامد لا يدر عائدًا.
اعترف المسؤول بوجود طائرة متوقفة. تابع برانسون: «لو طلبها عميلكم الأساسي، فبكم ستؤجَّر؟». كان الرَّقَم الشهري ممكنًا. عندها بنى عرضه: عقد تأجير مرن، مع حق إعادة الطائرة إن فشل المشروع. بالنسبة لبوينغ، كان العرض أفضل من بقاء الطائرة دون استخدام. وبالنسبة لبرانسون، كان ذلك مفتاح الانطلاق.
هذا الأسلوب يُعرف في عالم الأعمال بـ«تحويل الأصل المَيِّت إلى فرصة». وهو ما عبّر عنه التاجر الأمريكي سام والتون بقوله: «التاجر الذكي لا يبحث عما لا يملكه، بل عما يهدره الآخرون دون أن يشعروا». كما قال جاك ما: «الإلحاح المحترم قد يفتح بابًا لا تفتحه الأموال».
الدرس للشباب واضح: ليست الفكرة وحدها ما يصنع المشروع، بل الجرأة على الإلحاح، وحسن طرح السؤال، والقدرة على إقناع الطرف الآخر بأن مصلحته تلتقي مع مصلحتك.


