واليوم، وبعد الإعلان عن برنامج لتطوير المؤسسات الإعلامية الأسبوع الماضي، من المهم أن نستحضر الحاجة التاريخية المتواصلة إلى تطوير هذه المؤسسات، لتكون أصولًا إعلامية مؤثرة في المشهد.
في الستينات الميلادية، اتخذ الملك فيصل – رحمه الله – قرارًا تاريخيًا بدمج الصحف، بعد أن أضعفت كثرتها مستوى المهنة وجودتها، في لحظة سياسية كانت الصحافة السعودية تواجه عدد من التحديات وكان ذلك القرار نقطة تحول مفصلية أسست لمؤسسات صحافية قوية، شكّلت لاحقًا أحد أهم أسلحة المملكة الإعلامية، لا سيما خلال حرب الخليج الثانية وما تلاها من منعطفات سياسية كبرى.
وفي عصر الثورة الرقمية، الذي زلزل المؤسسات الصحافية، أرى أن البرنامج الجديد، بمساراته الأربعة: التشريعية، والتنظيمية، والتدريبية، والتقنية، يعدّ بارقة أمل وسط العاصفة، أو ضوء شمعة في نفق مظلم تعيشه الصحف في الوقت الحاضر.
وتكمن قيمته في كونه أول إعلان واضح بوجود إيمان بقيمة المؤسسات الصحافية القديمة، باعتبارها «ذاكرة الوطن وصوت منجزاته، والحفاظ على ريادتها ودعمها التزام مهني نؤمن به». كما أنه محاولة جادة لعمل مؤسسي يستهدف تطوير أداء هذه المؤسسات وضمان نموها واستدامتها وحمايتها، وهو جوهر دور وزارات الإعلام والجهات التشريعية المماثلة في مختلف دول العالم.
صحيح أن الإعلان عن البرنامج لم يعلن استراتيجية شاملة برؤية ومستهدفات مفصلة، ولم يضم كل المؤسسات الصحافية، كما لم يكشف شكل العلاقة بين المؤسسات الصحافية وهيئة تطوير المدينة أو الهيئة السعودية للسياحة أو شركة ترند، إلا أننا أمام مرحلة أولى، ما يعني أن مراحل أخرى ستتبعها، وينتظر أن تشمل بقية المؤسسات، وتتكشف معها إجابات مثل هذه الأسئلة.
نريد أيضًا ألا يغفل البرنامج المؤسسات الصحافية التي توقفت عن العمل، مثل «الندوة» و«الحياة»، ففي أرشيفهما محطات وحوارات ومواد إعلامية مهمة من «ذاكرة الوطن» وشاهدًا على مواقف السعودية النبيلة في القضايا السياسية الكبرى.
ورأيي أن أزمة ذبول الصحافة ليست محلية فحسب، بل هي أزمة عالمية، ولطالما أكدت في هذه الزاوية أنها أزمة تشريعية في جزء أصيل منها، أحدثتها الثورة الرقمية وهيمنة شركات التقنية الكبرى. ولعل تأكيد وزارة الإعلام بأن أولى مسارات العمل في برنامج التطوير هو المسار التشريعي، يبشر بأن المؤسسات القديمة موعودة بحقبة جديدة وصفحة جديدة.
[email protected]



