صفنت قليلاً عندما أخبرني الجالس أمامي بالموعد المنتظر (بكرة!) ودار داخلي حوارٌ بما هو المقصود! هل هو غداً غداً! أم تعبير مجازي لمدة ليست بالقريبة! احياناً نتعلق ببكرة وننسى كل شيء! لأنه الأمل! الوجهة! وهو التوجه! ولكن هل هو حقيقي بالأصل؟
متى يجي بكرة؟ سؤال يبدو عابراً، لكنه بالأغلب لا يطرح في نهاية اليوم، بل في نهايات أعمق؛ نهاية صبر، أو نهاية محاولة، أو نهاية قناعة، أو انتهاء التصبيرة! لم نعد نملك الشجاعة للاعتراف بانتهائها، هو سؤال لا يبحث عن الزمن، بقدر ما يكشف علاقتنا به.
نحن لا ننتظر الغد لأنه يحمل مفاجأة، بل لأن الحاضر استُهلك، ننتظر بكرة كمنطقة رمادية نُرحّل إليها ما لم يُحسم، قرار لم يُتخذ، مواجهة أُجّلت، أو حقيقة نعرفها لكننا نؤجل تسميتها، بكرة لا تعني يوماً جديداً بقدر ما تعني هدنة نفسية مؤقتة مع واقع لم يعد مقنعاً.
المفارقة أن هذا السؤال لا يطرحه الكسالى كما يُشاع، بل غالباً يطرحه المنضبطون أكثر من غيرهم، أولئك الذين التزموا، واحترموا التسلسل، وانتظروا أدوارهم، وحين لا يحدث شيء، لا يثورون، بل ينتظرون! ليس لأنهم ضعفاء، بل لأنهم تعلّموا أن الصبر قيمة، حتى تحوّل إلى عبء.
هنا يتحول بكرة إلى ملجأ لغوي، نقوله لنخفف ثقل اليوم، لا لأن الغد يحمل حلاً حقيقياً نستخدمه كتعويض نفسي عن شعور داخلي بأننا عالقون داخل دائرة مغلقة، نعيد فيها نفس الجهد وننتظر نتيجة مختلفة، في هذه الحالة، لا يكون التأجيل اختياراً واعياً، بل نتيجة طبيعية للبقاء داخل منظومة لا تكافئ التغيير، بل تفضّل الاستقرار ولو كان شكلياً.
بعض الأيام لا تحتاج إلى مزيد من العمل، بل إلى اعتراف، اعتراف بأن الاستمرار بالشكل نفسه لم يعد حكمة، وأن بعض القيم حين تُمارس بلا مراجعة تتحول إلى قيود ناعمة؛ أحياناً، أكثر ما يؤخر الغد هو احترام مبالغ فيه لأدوار انتهى زمنها، أو خوف مبرر ظاهرياً من كسر النسق؛ والسؤال إذن لا يجب أن يُطرح على الزمن! ليس متى يجي بكرة؟ بل ما الذي نصرّ على إبقائه اليوم، رغم أنه السبب الحقيقي في أن الغد لا يأتي؟


