عشت مشروع الري والصرف. اعتبرته أحد عجائب الإنجازات في بلدنا حفظه الله. الانبهار بالأشياء يجعلها خالدة في الذاكرة. وهكذا كانت مشاهد نقل هذه المياه الى المزارع عبر شبكة من القنوات الاسمنتية المفتوحة. يغطي طولها المسافة بين مكة والاحساء ذهابا وإيابا. رأيت المياه تجري كالأنهار في جوف هذه القنوات. يصل عرض بعضها الى «8» متر. المشروع تحكم في جريان الماء وتجمعاته وتوزيعه حضاريا لكل مزرعة. مع هذه المشاهد بدأت حياتي العملية.
في الأحساء عشت مع مجتمع مرتبط بالأرض والماء. أمر ساهم في مسيرة حياتي العلمية. وجدتهم يقولون: «بشّر النخل بكداد جديد». معها وفجأة وجدت نفسي ذلك النخل. غادر العملاق الدكتور خالد السيف الجامعة. جاء بعده عملاق آخر هو الدكتور عبد المنان الترجمان. وقف هو الآخر بجانبي مساندا ومعززا خاصة الجانب العلمي.
أصبحت خبرتي مزيجا لثلاث مدارس إدارية. مدرسة الدكتور محمد سعيد القحطاني، مدير الجامعة ورئيسي المباشر كمدير لمحطة التدريب والأبحاث الزراعية والبيطرية؛ مدرسة الدكتور خالد السيف، أدام الله عليهما الصحة والعافية؛ ومدرسة الدكتور عبدالمنان الترجمان، -رحمه الله -. مدارس تحمل منهج القوة والصرامة، الدقة والاتقان، الرحمة والإنسانية ونبل التعامل، الدبلوماسية والسهل الممتنع، الغيرة والمتابعة والتوجيه لتحقيق أهداف الجامعة.
بعد سنة ونصف من إدارة المحطة، وبعد إنجاز ما لم يتم إنجازه خلال الخمس السنوات الأولى من تأسيسها منذ «1975»، وبعد إدماني العمل الميداني واستمتاعي ببذل جهد جبار استثنائي، وبعد تحول نصف شعر رأسي إلى اللون الأبيض من هول التحديات التي واجهت، وبعد تشبعي بمشاهد وضع مياه الآبار الارتوازية، وأنهار مياه واحة الأحساء، غادرت في بعثتي الدراسية الأولى لتحضير رسالة الماجستير في الخدمات الزراعية.
في أقل من سنتين تشبعت بالخبرات المتعددة والثرية. أدمنت الشغف بالعمل والانجاز. فترة قصيرة شعرت مع نهايتها بتحقق نبوءة عميد الكلية الدكتور حسين العروسي عندما قال: بأن عملي في المحطة سيغنيني عن خمسين دكتوراه. أصبح طريق مستقبلي الدراسي العالي واضحا وسهل المنال.
غبت أربع سنوات عن محطة التدريب والأبحاث الزراعية والبيطرية. خلال هذه السنوات تعاقب على إدارتها خمسة مدراء. ثلاثة سعوديين من أعضاء هيئة التدريس، وإثنين أحدهما من الجنسية الإنجليزية والآخر أمريكي الجنسية هو الدكتور «أوتو هلوج». أذكره لأنه الوحيد الذي استوعب مدى جهدي وإنجازي من خلال ما شاهده وعاشه في غيابي، بجانب ما كان يتحدث به كل من شاركني فترة عملي.
خلال تواجدي في البعثة استلمت من الدكتور «أوتو هلوج» رسالة يعرفني بنفسه، وأنه مدير المحطة. سأل متى سأعود. أوجست خيفة. لم أرد. بعد عودتي سعى للتعرف على شخصي. في أول مقابلة تفاجأت بقوله: أهلا بالمهندس الكبير. قالها بالعربية، فأيقنت أن وراء الأكمة ما ورائها. ويستمر الحديث.
[email protected]


