فالإنسان بطبعه يفكر، وهذه نعمة. غير أن التفكير حين يتحول إلى دوامة لا نهاية لها يصبح سجناً شفافاً، لا يرى المرء قضبانه لكنه يشعر بها وهي تضيق على صدره. وما أكثر من امتلأت رؤوسهم بأسئلة لم تُطرح عليهم أصلاً، فقط لأن عقولهم لم تتعلم «الحدّ». فالاعتدال هنا، ليس قيداً، بل صيانة للنفس من نفسها، وحماية لها من الإفراط الذي يُنبت القلق ويورث الاكتئاب.
ونحن نحزن، وهذا حقنا الإنساني الأصيل، والنبي عليه الصلاة والسلام عندما توفي ولده ابراهيم قال ( تدمعُ العينُ ويحزنُ القلبُ ولا نقولُ ما يسخطُ الرَّبَّ)،
لكن الحزن حين يستوطن أيامنا كما تستوطن الرطوبة جدران البيوت القديمة، يعطل الحياة ويخمد شرارة المبادرة. ولايعني الاعتدال في الحزن، جحوداً ولا تجاهلاً، بل يعني أن نمنح ألمنا مساحةً كريمة، ثم نغلق الباب عليه قبل أن يتحول إلى مالك لا يُطرد.
وفي جانب آخر من تفاصيلنا حياتنا اليومية، نحتاج فيها إلى أن نتكلم. والكلام مرآة العقل، لكنه أيضاً اختبار لطلاقة الحكمة. وصدق من قال: من كثر كلامه كثر لغطه. فنحن لا نخسر شيئاً حين نختار جملة أقل، لكننا نخسر الكثير حين نطلق جملة زائدة لا نستطيع لملمتها بعد ذلك. فالاعتدال في القول ليس صمتاً، بل ذكاء يزن الكلمات قبل خروجها.
ثم نصل إلى أكثر بقاع الحياة حساسية: الحب والكره، فالعواطف بطبيعتها جامحة، وإن تُركت دون ترويض أغرقت صاحبها. وقد عبّر الإمام علي رضي الله عنه عن هذه الحقيقة بميزان لا يختل: «أحبب حبيبك هوناً ما، عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما، عسى أن يكون حبيبك يوماً ما». كلمات تُفهم في لحظة، لكنها تحتاج عمراً لتُطبّق. فالاعتدال هنا ليس بروداً ولا نفاقاً، بل بصيرة تحفظ القلب من خيبة مُهلكة أو تعلقٍ يجرّ صاحبه إلى الانكسار.
وقل كذلك في أمر الاهتمام، ذلك الشعور النبيل الذي يضيء العلاقات، نجد أن المبالغة فيه تحوّله من حيث لا ندري إلى سلعة يُساوَم عليها. فما يُعطى بلا حدود قد يُؤخذ بلا تقدير. أما الاعتدال فيه، فيمنح الاهتمام قيمته، ويجعل للعطاء وزناً وهيبة، وأيضا عندما نثق، يجب أن نفعل ذلك بحدود. إذ ليست كل يد ممدودة سلاماً، ولا كل كلمة وعداً صادقاً. فالاعتدال في الثقة ليس سوء ظن، بل وعي، يمنحنا القدرة على العيش دون أن ننكسر عند أول خداع.
وأخيراً، نعمل. والعمل شرف، لكنه قد يتحول إلى خصم عنيف إن لم نضع له خطوطاً حاسمة. فالصحة ليست خزّاناً بلا قاع، والعائلة ليست هامشاً نعود إليه عند الفراغ. إن الاعتدال في العمل يحقق الإنجاز من دون أن يسلبنا أعمارنا على غفلة.
وبعد كل ما ذكرناه، يتبين لنا أن السعادة ليست في أن نكون كثيرين، بل في أن نكون «بقدر». فالإفراط يجرح، والتفريط يبهت، بينما الاعتدال يترك أثراً ناعماً لا يخدش الروح ولا ينهك القلب.
قال الشاعر:
وما التـوسّطُ إلاَّ بابُ حكمتِـهــا يمشي به المرءُ بين الجُرفِ والغيَــــمِ
فلا تُفَرِّطْ فتلقى الدهرَ منتقماً
ولا تُجافِ فتغدو الطرفَ منسجِمِ وخُذْ من النور ما يَكفيك معتدِلاً فالضوءُ يُحرقُ إن زادَتْ به اللُّجُـم



