أما آخر الدعوات التي شرفني فيها هذا القطاع فهي دعوة من دعوات الآخرة التي نحتاجها بين الفينة والفينة. دعوة لحضور دورة تغسيل الموتى وتكفينه والتي تقيمها جمعية روضة إكرام بالمنطقة الشرقية، وحيث أنني أتغلب معها على الخوف والتردد في كل مرة ولا أعلم سر تلك المشاعر التي أتصارع معها وأغلبها. والحقيقة أن الخوف يرافق أيضاً صديقاتي اللاتي أختار منهن الأقوى لرفقتي إلى هذه الرحلة السماوية ورغم قوة الاختيار أفاجأ بالرفض ! بينما عند حضوري أجد المقاعد مكتظة والتسجيل أغلق قبل أوانه !
وعودة إلى هذه الدعوة الكريمة التي حضرتها بكل مشاعري حيث أجتهد المنظمون في هذه الجمعية الرائدة إلى تجويد العمل كتجربة تمثيلية تجسد الحقيقة التي تميزت بها فغالب الجمعيات تعتني بمن هم فوق الأرض بينما تميزت جمعية روضة إكرام، بإكرام من هم تحت الأرض فلا مناصب ولا أموال ترتجى منهم بل ولا حتى كلمة شكر يمكنهم أن ينطقوها، لكنه الإكرام الذي دعى له ديننا ورعته هذه البلاد المباركة بكل تفاصيله ومن خلال المداخلات التي استمعت لها ممن حضرن واكتظت بهن القاعة وبخاصة الحاضرات من الجنسيات الأخرى أدركتُ مدى النعمة التي يعيشها الفرد في بلادنا فلا نحمل هم أي تجهيزات بعد موتنا للغسل أو الدفن ـ أحسن الله لنا ولكم الختام ـ ولا نتحسب لهذا الموقف مادياً فكل شيء يتم توفيره بالمجان ابتداء من الكفن حتى المقبرة. وعودة لجهود هذه الجمعية التي لا تعتني فقط بغسيل الميت وتكفينه فحسب بل تتولى تصبير أهله ومواساتهم.
أما مهنة مغسلة الأموات فهي ليست مهنة ضعاف القلوب ولا الهواة، فالمناظر المختلفة للأموات تحتم وجود قلب يحتمل وجدية في الحفاظ على خصوصية الأموات ولا أخفيكم أني أحمل كماً هائلاً من التقدير لأولئك الذين تولوا هذا العمل ولم نسمع منهم من يخوض في المجالس ويتحدث عن مشاهداته ومغامراته بل لعلهم الأضعف أفئدة والأكثر عبء، بل إن الميت بين يدي المغسل يعامل معاملة الحي فلا تكشف عورته ولا يؤذى بل يعطر ويبخر ويغادر الدنيا في أزهى حلة.. ومن أمثلة الحرص على عدم أذية الميت استعانة المغسلات بخبيرات التجميل حين يتعذر عليهن إزالة أضافر أو رموش دائمة أوشعر مستعار تمت خياطته ودعت الحاجة لمتخصص في فنه لتجنب طرق مؤذية وغير صحيحة في الإزالة..
ختام:
بعد انتهائي من تلك الدعوة المتميزة بادرت بالاتصال بصديقتي الخائفة الباحثة عن عمل إن كانت ترغب بتسجيلها بوظيفة مغسلة !! ولعلها المكالمة الأخيرة بيننا وربما لن أسمع صوتها من جديد. !!
[email protected]
أحمل كماً هائلاً من التقدير لأولئك الذين تولوا هذا العمل ولم نسمع منهم من يخوض في المجالس



