الإنسان السوي والقائد الناجح يتعامل مع جميع الآراء التي يسمعها بعقل مفتوح وبحرص على البحث عن الحق وقد نُقل عن الإمام الشافعي قوله: «ما كلمت أحداً قط إلا ولم أبال بين الله على لساني أو لسانه».
وفي سيرة سيد الخلق صلى الله عليه وآله وسلم قصة تبين كيف أن الكبر والاستهزاء برأي الآخرين يكلف الكثير، فقد جاء وفد من الأوس من سكان يثرب إلى مكة يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، وذلك قبيل حرب بعاث في أوائل سنة 11 من النبوة؛ إذ كانت نيران العداوة متقدة في يثرب بين القبيلتين ـ وكان الأوس أقل عددًا من الخزرج - فلما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقدمهم حرص على إسلامهم وعلى حقن دمائهم فذهب إليهم، وجلس معهم، وقال لهم صلى الله عليه وآله وسلم: «هل لكم في خير مما جئتم له؟»
فقالوا: وما ذاك؟
قال صلى الله عليه وآله وسلم: «أنا رسول الله، بعثني إلى العباد، أدعوهم إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئًا، وأنزل عليّ الكتاب»، ثم ذكر لهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن.
فقال الشاب اليافع إياس بن معاذ: أي قوم، هذا والله خير مما جئتم له.
هل كان فيهم رجل رشيد فقال: لنراجع الأمر وننظر؟!
أبداً، فقد وقف أحدهم وهو أبو الحيسر أنس بن رافع فأخذ حفنة من تراب البطحاء فرمى بها وجه إياس، وقال: دعنا فلعمرى لقد جئنا لغير هذا.
والبقية صامتون، وقد صمت إياس ففاز وخسروا، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانصرفوا إلى المدينة من غير أن ينجحوا حتى في عقد حلف مع قريش.
أما إياس الشاب الصغير فرجع إلى يثرب وهو يهلل ويكبر ويحمد ويسبح، ولم يلبث أن توفي.
كم من فعل قال لصاحبه دعني، وكم من تصرف أورد أصحابه من المهالك، وكم صواب عند غيرك، وليس الرأي الصائب حكرًا على الأكبر أو الأعلى، بل على الأصدق في طلب الحق
[email protected]



