تباينت تعريفات الشغف بين العلماء عبر العصور . وقد وصف دنيس ديدرو الشغف على أنه «ولع شديد وميول ورغبات ونفور بدرجة معينة، مصحوب بإحساس غير واضح بالمتعة أو الألم، يُحدِث أو يصحبه تدفق غير منتظم للدم وحركة مضطربة، ذلك ما نسميه الشغف. يمكن أن يكون قويًا كفايةً ليكبح أي ممارسة. وفي المفهوم العام يعرف الشغف بانه محفز لانجذاب نحو فكرة معينة والإصرار على إنجازها وذات الأمر ينطبق على الأشخاص والهوايات وغيرها من المؤثرات التي تحيط بالإنسان في حياته اليومية.
جميع الناس تقول «اتبع شغفك»، لكن القليل يعرف كيف يلاقي شغفه أصلًا، الشغف كلمة تتكرر في أحاديثنا وكتب التنمية وخطب المحفّزين لكنها كثيرًا ما تُقال دون أن تُفهم حقًا! يسأل الناس كيف أجد شغفي وكأن الشغف كنز مدفون في مكان مجهول بانتظار من يكتشفه لكن الحقيقة أبسط وأعمق الشغف لا يُكتشف، بل يُبنى كثير من قصص النجاح لم تبدأ بشرارة حبٍّ جارفة، بل بخطوة مترددة بعمل عادي أو حتى بظرف فرض نفسه ومع الوقت ومع الصبر والجدّية تحوّل ذلك الفعل المتواضع إلى شغف يصنع فارقًا!
الأمر يشبه بذرة صغيرة لا تبدو مميّزة في بدايتها لكنها مع الرعاية تتحول إلى شجرة وارفة تعطي ثمارها على مدى الحياة جيل اليوم يواجه صورة مشوشة عن الشغف، ووسائل التواصل ترسمه وكأنه حياة مليئة بالمتعة والإنجازات المتلاحقة، بينما الواقع مختلف الشغف طريق طويل فيه تعب، إحباط، محاولات فاشلة، وانكسارات لكنه أيضًا الطريق الذي يمنح حياتنا المعنى ويجعل السقوط مجرّد استراحة قبل صعود جديد ليس ضروريًا أن نملك شغفًا واحدًا ثابتًا أحيانًا يتغير الشغف مع العمر والخبرات وأحيانًا نصنع أكثر من طريق! وقد يكون الشغف في مهنة نكرّس لها العمر، أو في موهبة جانبية، أو حتى في تفاصيل صغيرة نعيشها يوميًا، الفكرة ليست أن ننتظر «اللحظة المثالية» لظهور الشغف، بل أن نبدأ بالخطوة لأن الاستمرار هو الذي يحوّل البدايات البسيطة إلى شغف عميق ويمنحنا شعورًا حقيقيًا بالانتماء والإنجاز.
الشغف ليس رفاهية بل هو طاقة داخلية تعطي للحياة روحاً. لها مذاقها الخاص وهو لا يعيش في الخيال، بل في الممارسة اليومية يبدأ من عادة صغيرة يكبر في الالتزام ويزهر حين نلمس أثره فينا وفيمن حولنا ويصبح مصدرًا للإلهام لمن نتشارك معهم الحياة، وفي النهاية البحث عن الشغف ليس رحلة خارجية بقدر ما هو رحلة داخلية.
أن نجرّب أن نخطئ، أن نصبر، أن نكتشف أنفسنا في تفاصيل الطريق، ومن يجد شغفه سيكتشف أنه لم يصل إلى مكان واحد، بل فتح أبوابًا لا تنتهي ويخلق حياة مليئة بالمعنى والطموح.
[email protected]



