إن القدرات لا تُبنى في فراغ، ولا تُستثمر في بيئة هشة. الجسد السليم والعقل المتزن هما الركيزة لأي طموح فردي أو وطني. وهنا نفهم لماذا كان برنامج تنمية القدرات البشرية مرتبطًا مباشرة ببرنامجي تحوّل القطاع الصحي وجودة الحياة، فالقدرة على التعلم والإبداع والإنتاج لا تزدهر إلا حين يتوفر للفرد الحد الأدنى من الصحة والاطمئنان.
لقد شهد القطاع الصحي السعودي خلال السنوات الماضية نقلة نوعية غير مسبوقة. لم يعد الحديث مقتصرًا على توسعة المستشفيات وبناء المراكز الصحية، بل تعداه إلى تبني نموذج جديد للرعاية الصحية يركز على الوقاية قبل العلاج، ويستثمر في الصحة الرقمية والتطبيب عن بُعد، ويعزز كفاءة الكوادر الوطنية. ولعلنا نتذكر جميعًا كيف واجه النظام الصحي السعودي جائحة كورونا بثقة وقدرة، ليؤكد أن الاستثمار في الصحة ليس رفاهية بل أمن وطني.
أما في جانب جودة الحياة، فقد تحوّل مفهومها من كونه “أنشطة ثانوية” إلى كونه مؤشرًا لنجاح التنمية نفسها. حدائق كبرى مثل حديقة الملك سلمان، والبرامج الرياضية التي رفعت نسبة ممارسي الرياضة إلى ما يقارب 17% من السكان، والفعاليات الثقافية التي تجاوزت ثلاثة آلاف فعالية في عام واحد، كلها شواهد على أن جودة الحياة ليست مشهدًا ترفيهيًا، بل سياسة دولة تضع الإنسان في قلب التخطيط الحضري والاجتماعي .
والسؤال الذي يُطرح هنا: ما علاقة هذه البرامج بتنمية القدرات البشرية؟
الجواب يكمن في فهم بسيط: الإنسان السعيد والمرتاح نفسيًا هو الأكثر قدرة على التعلم والإبداع والإنتاج. الفرد الذي يجد متنفسًا في رياضة أو نشاط ثقافي أو مساحة خضراء قريبة، يعود إلى عمله بروح جديدة، وإلى أسرته بتوازن عاطفي. وهكذا تصبح الصحة وجودة الحياة استثمارًا مضاعفًا: استثمار في رفاه الفرد، وفي إنتاجية المجتمع، وفي قوة الاقتصاد.
إننا في هذه المرحلة التاريخية نرى أن المعادلة تغيّرت: لم يعد التنافس العالمي يقاس بالثروات الطبيعية وحدها، بل بالقدرات البشرية التي تبني اقتصاد المعرفة وتبتكر حلول المستقبل. وهنا يتجلى الوعي العميق للقيادة السعودية، حين ربطت الصحة وجودة الحياة مباشرة ببرامج الرؤية، إدراكًا أن الإنسان المطمئن هو أقدر على حمل الأمانة الوطنية، وأكثر استعدادًا للعطاء.
في يومنا الوطني نحتفل بالإنجازات، لكننا أيضًا نراجع التحديات. ما زال أمامنا الكثير لنضمن وصول الخدمات الصحية بجودة عالية إلى كل القرى والمناطق النائية، ولنعزز مفهوم الوقاية أكثر من العلاج، ولنغرس ممارسة الرياضة والثقافة والفنون في حياة الناس اليومية، لا كمناسبات عابرة بل كأسلوب حياة. إلا أن ما تحقق حتى الآن يجعلنا متفائلين بأن المستقبل واعد، وأن البنية التحتية التي تُبنى اليوم ستثمر أجيالًا أقوى جسدًا وأوسع أفقًا.
رسالتنا في هذه المناسبة أن الصحة وجودة الحياة ليستا امتيازًا، بل حقًا أساسياً ومطلبًا وطنيًا، وأن الاستثمار فيهما هو الاستثمار الأذكى في مستقبل المملكة. فكما قال ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- : «طموحنا أن نبني وطنًا أكثر ازدهارًا، يجد فيه كل مواطن ما يتمناه» .ويتحقق هذا الطموح بالإنسان السليم،القادر على تحويل رؤيته الشخصية إلى جزء من رؤية وطنه.
فلنحتفل هذا العام باليوم الوطني ليس فقط بذكرى التوحيد، بل بالمعنى المتجدد: أن الإنسان السعودي، بصحته وعافيته ورضاه، هو المشروع الوطني الأكبر، ورأس المال الحقيقي الذي سيحمل المملكة نحو عام 2030 وما بعده.
[email protected]



