إن ثقافتنا العربية واسعة بمعانيها، ويتجلى ذلكَ في موروثاتها من الأمثال الشعبية التي كانت وليدة كل المواقف والقصص التي حدثت في تلكَ اللحظة، ومع تعاقب الأجيال، أصبحت هذهِ الأمثال الشعبية جزءاً رئيساً في أحاديثنا اليومية واختصاراً لكثير من الأفكار المعقدة لتجسد خلاصة الحديث المقصود بطريقة تعبيرية تلقائية مُمتعة وسهلة.
كثيراً ما سمعنا عن المثل القائل (القشة التي قصمت ظهر البعير) الذي يعود إلى شخص كان مسافرًا في الصحراء، وقام بتجهيز جميع أمتعته التي بالكاد يتحملها أربعة جمال وليس جملاً واحدًا، وقام بوضعها على ظهر بعيره الذي تحمَل وزن هذه الأمتعة ولم يسقط، وأخيرًا وجد الرجل أنه تبقى من أمتعته شيء صغير جدًا بوزن القشة، فوضعه على ظهر بعيره، وما أن وضعهُ حتى انهار بعيره وسقط، فقال الشاهد على هذا الموقف (هذهِ القشة التي قصمت ظهر البعير)، وهو كنايةً عن الأشياء الضئيلة التي تُنهي سلسة طويلة من الصبر المتواصل.
يُعبر هذا المثل عن مدى تحمل الشخص الصبور الذي يتحمل فوق طاقته حتى يأتي موقف صغير يجعلهُ ينهار ويسقط أو لربما ينفجر من شدةِ التراكمات التي تحملها، في إشارة واضحة إلى أنهُ في بعض الأحيان قد تُحدث الأمور الصغيرة أثراً كبيرًا ليس بذاتها فقط، بل لأنها جاءت بعد تراكم الكثير من الأعباء والضغوطات حتى لم يعد يحتمل الشخص الصبور شيئًا آخر، جاء هذا المثل للتدليل على أن أشدّ البشر قوّة ومقدرة وتحمل فإن لقوتهم وصبرهم حدود أيضاً، وحين يبلغون أقصاها، لن يعود بوسعهم تحمل المزيد من الصبر، وهذا المنطلق على كافة الأصعدة في حياتهم.
الواجب ألا نستهين بصغائر الأفعال والكلمات، فربما تصرف ضئيل أو كلمة مؤذية صغيرة تُحدث جرحاً عميقاً لا يُمكن تحمله، وكما قيل إنما للصبر حدود، فإذا جاءت أصغر التصرفات المؤذية بعد حد الاحتمال الهائل، فإن الحال ستؤول إلى الانهيار حتماً، حيث طفح الكيل واستهلكت الطاقة وانتهى الصبر.
ومضة:
كل شخص له حدود للصبر، لا تدفع الناس لأقصى حدودهم، فقد لا تعجبك ردة فعلهم.



