في زمان مضى -والخير لا زال موجوداً عند العقلاء- كان من يأتي أهل المصاب يحرص على التعزية بالكلمة الجميلة، بآية أو حديث أو خبرة، أو حكمة أو بيت شعر أو تذكير بمحاسن الميت وعلامات حسن خاتمته وتذكير بضرورة السير على طريق الراحل والاجتماع وعدم التفرق، أو يكتفي بالدعاء مع الحضور، مما يعزي ويسلي أهل المصاب وهم أحوج ما يكونون لكل ما يسليهم في مصابهم.
يحدثني أحد الكبار عن أحد أقاربهم الذي فقد ولده البكر في حادث مروري في زمن مضى قبل ظهور الجوالات، يقول: عندما انتهينا من مراسم الدفن، توجهنا إلى بيت والد المتوفى، وجلسنا ونحن في صمت بسبب ألم المصاب، وعدم القدرة على الحديث، فلا ندري كيف نبدأ ولا ماذا سنقول؟
بعد دقائق من الصمت، تحدث والد المتوفى الكبير والحكيم، فقال: أين القهوة؟ وأنتم هل أتيتم تعزوني أم تزيدون حزني حزناً، تكلموا لعلنا نسلي بعضنا فما اجتمعنا إلا من أجل ذلك.
وبالفعل تحول المجلس إلى حديث وقصة وتجربة وذكر لمصاب أكبر، فكان في ذلك تسلية للجميع.
في وقتنا الحاضر أصبحت مجالس العزاء لا ترجو الكلمة الجميلة قدر ما ترجو الصمت وتقليل الجوالات المرفوعة للتصوير، فالمعزي -الذي كان يرجى منه المشاركة في الحزن- قد أتى إلى العزاء وهو بأبهى صورة وبابتسامة تملأ وجهه من الأذن إلى الأذن، وكانه قد أتى إلى حفل زواج وليس إلى عزاء بسبب مصاب.
وبعضهم يضيف لذلك إشغال مجلس العزاء وقبله المقبرة بأحاديث جانبية ومجاملات جوفاء، وكأنه جاء يتكسّب بزيادة المتابعين، وبيان قوة العلاقات، والسعي لعقد الصفقات انطلاقاً من مجالس العزاء.
يجب أن نكون أكثر رقياً، ونعكس ما وجهنا له شرعنا الحنيف، وقيم مجتمعنا السامية، ونشارك من ذهبنا لتعزيتهم في حزنهم حقيقة كي نكسب الأجر وبقاء المودة، لا مجاملة واستعراضاً فتضيع البركة ونفقد الاحترام ونؤلم من أردنا تعزيتهم.
ولنتذكر ونُذكّر أنه مجلس عزاء لا حفل زواج.
[email protected]


