قل للمليحة في الخمار الأسود
ماذا فعلتِ بناسكٍ متعبد؟
وما إن رُددت تلك الأبيات في المجالس حتى تغيّر حال السوق، وأقبلت النساء على الخُمُر السوداء، لا لجمالها فقط، بل لسحر القصيدة الذي زرع في الأذهان جاذبية هذا اللون الغريب آنذاك. لقد نجح الشعر في خلق “موضة” جديدة.. بابيات قليلة.
تلك الحكاية القديمة ليست محض طُرفة، بل تحمل في طيّاتها دلالة عميقة: أن الإنسان مولع بالمظهر، ومفتون بما يعاد تقديمه بطريقة مختلفة. هذا الولع بالموضة ليس ظاهرة حديثة كما يظن البعض، بل هو امتداد لغريزة إنسانية تعود إلى فترة زمنية طويلة ، حين ارتبط اللباس بالمكانة، والانتماء، والهوية، بل وأحياناً بالإغراء والتأثير.
لكن، ما كان بالأمس يتطلب شاعرًا وأبياتًا ليخلق تأثيرًا محدودًا، صار اليوم يحتاج إلى «ترند» على منصة، أو منشور على احدى برامج التواصل الاجتماعي ، ليحرك جموعاً من المتابعين نحو شراء منتج، أو اعتماد صيحة، أو حتى تغيير نمط حياتهم.
فوسائل التواصل الاجتماعي، وخاصة المرئية منها، أحدثت ثورة في صناعة الموضة، ليس فقط من خلال دور الأزياء وحسب، بل عبر المؤثرين والمشاهير، ممن أصبحوا محركات استهلاك لا تقل فاعلية عن الإعلانات التقليدية، فبحسب دراسة نشرتها شركة ستاتيستا في عام 2023، بينت إن 74% من المراهقين والشباب يتأثرون بالقرارات الشرائية بناءً على ما يشاهدونه على حسابات المشاهير والمؤثرين.
ووفق دراسة أخرى من هارفرد بزنس رفيو، فإن دماغ الإنسان يتفاعل بشكل أكثر اندفاعًا مع الصور والمقاطع التي تظهر أشخاصًا “يشبهونه”، وهو ما يفسر التأثير الكبير للمؤثرين العاديين - لا النجوم - على جمهورهم، لأنهم يمثلون النموذج القريب، القابل للتقليد.
لقد تحوّلت الموضة من شأن فردي إلى ظاهرة جمعية تقودها الحشود الرقمية. ويبقى السؤال: هل نتّبع الموضة لأنها تعبّر عنا؟ أم لأننا نخشى أن نُستثنى من الجماعة؟
الإجابة ليست سهلة، لكنها تضعنا أمام مسؤولية وعي الاختيار، سواء كأفراد أو كمجتمع.
[email protected]



