وتتكرر القصة اليوم في ظل تسارع العالم المادي وارتفاع معدلات التنافسية بين الأفراد وأقرانهم، والقطاعات مع بعضها البعض للاستحواذ على الحصة الأكبر من السوق، ورفع مستوى خدماتها ومنتجاتها وفق مفهوم الكفاءة، وقد تصل في بعض البلدان إلى الانتحار وإنهاء الحياة كما في اليابان على سبيل المثال؛ والمتابع يلحظ اختلالاً واضحاً في استهلاك المنظمات للأفراد ودفعهم للعمل لساعات طويلة دون توقف، بإنتاجية أقل، واضطراب في قائمة الأولويات لتحقيق توقعات أرباب العمل وقادة المنظمات، والذي ينذر بخطر قادم مهدد للكيانات الأسرية والحياة الاجتماعية للأفراد، والذي يتطلب رفع مستوى الوعي الفردي والمجتمعي، ومستوى أعلى من المرونة والتنظيم المؤسسي من القطاعات والمؤسسات والشركات.
ومن هنا تبرز ضرورة توازن الأفراد بين متطلبات العمل وحياتهم الأسرية والاجتماعية وأهميته رفع مستوى الصحة النفسية والجسدية للأفراد، وخفض معدلات التوتر والاحتراق الوظيفي لديهم، وتحفيزهم لممارسة الأنشطة الترفيهية خارج بيئة العمل مع أسرهم وذويهم، والاستفادة من فرص جودة الحياة المتاحة خارج صوامع الأعمال ومقابر الكيانات، والتي بدورها تُحسّن العلاقات الأسرية، وتعزز الروابط العائلية؛ مما سيكون له الأثر البالغ على إنتاجية الفرد وولائه وانتمائه للمنظمة.
ولتحقيق ذلك فلا بد من تحديد الفرد الأولويات المراد تحقيقها على المدى الطويل والقصير والتي يأتي على رأسها الأسرة بأفرادها، والتركيز على الأهم دون الإسراف والتفريط، ووضع حدود واضحة وفاصلة بين الأسرة والعمل والتقيد بها دون الاكتراث بردود أفعال الآخرين خارج أوقات العمل الرسمي ومن ذلك عدم الرد على المكالمات أو الرسائل المتعلقة بالعمل بعد مغادرة المنظمة، وإدارة الوقت بفعالية وكفاءة من خلال استخدم بعض الأدوات والتطبيقات المعينة على ذلك كالجداول والتطبيقات وغيرها، وطلب الدعم والمساعدة من الزوجة وأفراد الأسرة، أو الزملاء حال الحاجة، والاهتمام بالنفس وتخصيص وقت كافي للراحة والهوايات والرياضة، ومن الأمثلة القيادية في ذلك، وزير الحج والعمرة د. توفيق الربيعة، والذي تحدث عن إدارته لوقته وجدوله أعماله اليومي بكفاءة واحترافية، وتخصيصه وقتاً لوالديه وأسرته وممارسة الرياضة وغيرها مع ازدحام جدوله بالمهام والمسؤوليات.
وأخيراً، تعظم دور المؤسسات في تحقيق ذلك التوازن ودعمه من خلال توفير ساعات عمل مرنة، وتشجيع العمل عن بُعد، و تحفيز الأفراد على التمتع بالإجازات العائلية، ودعم خدمات رعاية الأطفال، وتعزيز ثقافة التوازن لا ثقافة العمل الزائد، والذي يُعد لاشك مهمة صعبة المنال لكنها ممكنة التحقيق، من خلال رفع مستوى الوعي الذاتي، فبقدر تحقيق التوازن، تزداد جودة الحياة والسعادة الشخصية والمهنية، ولنتذكر جمعيًا بأنه لا ذاكرة للمؤسسات.
جامعة الملك خالد
[email protected]



