لقد أدركت المملكة العربية السعودية منذ وقتٍ مبكر خطورة هذه الحرب، فخاضت معركتها بشجاعةٍ وبصيرة، مسخرةً إمكاناتها الأمنية والبشرية والتقنية لمواجهتها. ويقف رجال الأمن في طليعة هذه المعركة، يسهرون حين ننام، ويرابطون على الحدود، ويتعقبون شبكات التهريب والترويج، ويعرضون أنفسهم للأخطار في سبيل حماية أبناء الوطن من السموم البيضاء.
ومع كل عملية ضبط ناجحة وكل إحباط لمحاولة تهريب المخدرات، نرفع القبعة فخراً لهؤلاء الأبطال، الذين لا يطلبون شكراً، بل يتقدمون الصفوف صامتين، مؤمنين برسالة سامية وهي أن حماية الوطن لا تقتصر على حماية الحدود، بل تمتد لحماية العقول.
لكن، وهنا بيت القصيد، لا يمكن لأي جهاز أمني مهما بلغ من القوة والتنظيم أن يخوض هذه المعركة منفرداً. فالمجتمع هو الجبهة الداخلية الحاسمة، وخصوصاً الأسرة، التي تمثل الخط الأول في الكشف المبكر عن أي سلوك منحرف، أو علاقة مشبوهة، أو تغير في السلوك والرفقة والعادات.
إن الأب حين يغيب، أو يغفل، أو يُشغل عن أبنائه، يترك فراغاً قد تملؤه رفقة السوء، وإن الأم حين تُهمل الحوار مع ابنتها، أو تنشغل عنها بأعباء الحياة، فإنها قد تتركها فريسة سهلة لمن يزينون لها السقوط باسم الحرية أو التسلية أو حتى التمرد.
ونحن في عصرٍ أصبحت فيه المخدرات أكثر تنوعاً، وأكثر خبثاً، وأسرع وصولاً من خلال وسائل التواصل الاجتماعي ، لذا باتت مسؤولية الرقابة الأبوية والمجتمعية أعمق وأكثر تعقيداً. فلم تعد المسألة مجرد خوف من «الحشيش» أو «الحبوب»، بل من عالمٍ افتراضي يعجّ بمروجين محترفين يختبئون خلف الشاشات ويستهدفون أبناءنا كل ساعة.
من هنا، لابد أن نُعيد صياغة العلاقة داخل المجتمع، وأن نجعل من الوعي العام سوراً منيعاً، ومن التربية الصالحة درعاً واقية، ومن التثقيف المستمر سلاحاً فعالاً. يجب أن تتحول المدرسة إلى مركز للتحصين لا مجرد حاضنة للتعليم، وأن تنخرط وسائل الإعلام في التوعية لا الترويج لافكار لا قيمة لها، وأن تُفعّل دور الجمعيات والمنظمات المختصة في دعم الأسرة والمجتمع.
كما أن من واجبنا أن نُشيد بكل من يحارب هذه الآفة، وأن نُكرّم المخلصين في إدارات مكافحة المخدرات، فهم ليسوا فقط رجال أمن، بل جنود إنقاذ للمستقبل. الذين قدموا أرواحهم وأوقاتهم وأمنهم الشخصي، ليحفظوا أرواح شبابٍ لا يعرفونهم بأسمائهم، ولكنهم يعرفونهم بقيمتهم للوطن.
نحن في معركة مصير، معركة لا تنتهي بصيحة نصر واحدة، بل تحتاج نفساً طويلاً وتعاوناً مستمراً، ومراجعة دائمة لأساليبنا في التربية والتوجيه والحماية. وإلا فإننا – لا قدر الله – قد نستيقظ ذات يوم لنجد أن الخطر قد استوطن في عقر دارنا، رغم أن الأبطال كانوا يحرسون الأبواب.
وفي الختام، نُذكّر أنفسنا بحكمةٍ عربية تقول: إذا نام الراعي، أكل الذئب القطيع.
فلنكن جميعًا رعاة.. حُماةً لعقول أبنائنا، وسداً منيعاً في وجه من يريد خراب أوطاننا.
[email protected]



