وأني محدثكم اليوم عن ظاهرة سببها التقنية الحديثة، ولعل منكم من لاحظها كذلك. وهي التوقف المفاجئ لبعض من السيارات على جانب الطريق لمدد متفاوتة. والسبب وراء ذلك، أن قائد المركبة يكون مشغولا كليا بالجوال «الهاتف الذكي»، متفقدا الرسائل، ومواقع التواصل الاجتماعي، والتطبيقات، ومنعزلا تماما، فكريا وجسديا عمن حوله! ويمكن أن نسمي هذه الظاهرة «متلازمة الجوال». ولنا معها وقفات:
منها أن إيقاف السيارة في مكان آمن ونظامي من أجل استخدام الجوال هو الحل الأفضل والأسلم، ويتوافق مع أنظمة السلامة المرورية حيث أن استخدامه أثناء القيادة يشتت الانتباه، ويزيد من مخاطر الحوادث لا سمح الله.
ومنها أن معظم الإجراءات، والأنظمة، والمعاملات المالية اليومية صارت عن طريق التطبيقات الموجودة في الأجهزة المحمولة، والهواتف الذكية، والتي أصبحت ضرورة للحياة المدنية المعاصرة، ولا مفر منها!
ولكن الصورة الذي أود أن التقاطها وأركز عليها، أن الجوال أصبح ملازما لنا طوال الوقت، ولا يكاد ينفك عنا إلا قليلا. ومن الملاحظ أيضا أننا عند استخدامه نكون منفصلينا ذهنيا عمن حولنا. وهذا المشهد يذكرني بالقصص والروايات التي كنا نسمعها عن أصحاب الهمم في القراءة أو الحفظ أو طلب العلم، والتي كنا نظن ظنا أنها من باب التضخيم والمبالغة في همة الأولين. فالبخاري مثلا قد حفظ عشرات الآلاف من الأحاديث. والأمام أحمد حفظ وراجع ونقح ثلاثين ألف حديث في مسنده. وأما ابن الجوزي فقد قال: «ولو قلت: إني طالعتُ عشرين ألف مجلد كان أكثر، وأنا بعدُ في الطلب»، وللمعلومية هو قد ألف «250» مصنفا. ولن أعده بعد اليوم من المبالغات حين قرأت أن ابن القيم قد ألف كتابه الرائع الأخاذ «زاد المعاد» أثناء سفره، لا في بيته، ولا مكتبه، وبدون انترنت، ولا كمبيوتر محمول!
وعندما استعنت بالذكاء الاصطناعي «غروك3» لمعرفة عدد الأحاديث التي حققها الشيخ الألباني، فقد قدرها مع التفصيل ومراجعة المصادر ما بين «25000 إلى 30000» حديث، ومن المعلوم أن الألباني لم يكن لديه أجهزة بحث إلكترونية كالتي نملكها اليوم. وحين قال العقاد عن نفسه: أنه قد قرأ ما يقارب من «60000» كتابا لم يكن مازحا أو مبالغا!
مثل هؤلاء الذين ذكرت أمثالهم، كانوا يركزون ليلا ونهارا على مشروع حياتهم «كحالنا مع الجوال طوال الوقت»، وينقطعون عمن حولهم من أجل التأليف أو التعلم أو نجازا لاختراع أو ابتكار، أو إثباتا لنظرية علمية. الآن عرفت أن قصصهم وهممهم لم يكن شططا في النقل، ولا مبالغة أو خطأ في الرواية، بل هو الواقع! فالبعض منهم يُوضع له طعام العشاء فلا يشعر به حتى آذان الفجر منشغلا بمسألة علمية! «ونحن مع الجوال لا نشعر بمن حولنا كذلك، مع فراق التشبيه!» إنه الشغف والهمة والتركيز في طلب العلم، والإيمان التام بما يقومون به. وها هو الشيخ الأديب علي الطنطاوي يقول عن نفسه: «وأنا أقرأ أكثر ساعات ليلي ونهاري، فلو قدرت لكل يوم مئة صفحة -وأنا الحقيقة أقرأ أضعافها- لكان مجموع ما قرأت مليونين ونصفاً من الصفحات!».
والحقيقة الموجعة، أن الامكانيات والوسائل الحديثة قد كثرت، فسهلت حياة الناس، وسهلت المعرفة والبحث والمراجعة، ولكن في المقابل، ضعفت الهمم، وقلة المثابرة، وكثرت المشتتات، وشحة البركة. فالله المستعان.
[email protected]



