لم أعد أقيس الزمن بالأيام أو السنوات، بل بالنبضات التي علّمتني كيف يكون الإدراك أعمق من العُمر، وكيف يصبح الإنسان أقرب إلى ذاته كلما اقترب من حافته، إنه شعور غريب، لا يشبه النهايات ولا يشبه البدايات، هو شرفة على ما مضى وسُلَّم نحو ما سيأتي، لم أعد أحتاج لأن أثبت لأحد أنني قادر، لأنني فعلت كل شيء استطيع فعله ، ولم أعد أركض خلف أحلام لا تحمل اسمي، لأنني أمسكت ببعضها، وتصالحت مع التي أفلتت، لم أعد أنظر في المرآة بحثاً عن الزمن، بل أفتش فيها عن الملامح التي بقيت لي وحدي، الملامح التي لم تسرقها الأيام، ولا تشوهها نظرات الآخرين.
في التاسعة والأربعين وعشرة أشهر، أرى نفسي بوضوح، ليس لأن عيوني أصبحت أكثر حدّة، بل لأن الغبار انزاح من على مرآة قلبي وعقلي، أعلم جيداً من أنا، ومن لا أريد أن أكون وأعلم أنني لا أصلح لكل الأمكنة، ولا لكل العلاقات، ولا لكل الأحاديث، وأعلم أيضاً أنني لست مطالباً بذلك، اكتشفت أن قوتي لا تكمن في أن أكون حاضراً في كل الساحات، بل في أن أختار ساحتي جيداً، وأكون فيها واقفاً، هادئاً، لكن لا أُهزم.
هي النهر الذي لا يعود إلى منبعه ولا يحتاج لذلك، هي الامتلاء لا الفراغ، هي لحظة يكتشف فيها الإنسان أنه لم يكن طيلة حياته سوى راحلاً إلى ذاته، فلمّا وصل: سكن وابتسم وقال: الآن فقط أعرف من أنا..؟
أنا لم أهرب من مراهقتي، ولم أكره ضعفي حين بكيت في طفولتي، ولم أحتقر انكساراتي في العشرين والثلاثين فكل هذا أنا.. وكل هذا مرّ بي ليصنع منّي هذا الرجل الذي يتأمل الآن عقارب الساعة لا ليخافها، بل ليقول لها: أنا أفهمكِ.. وسأسير معك، لا ضدك.
صحيح أن ظهري لم يعد يحتمل كل الأثقال، لكن قلبي لم يعد يخاف منها
نعم أريد الآن أشياء أقل لكنها حقيقية، أريد الصدق، لا التجميل، أريد صوتي الداخلي، لا ضجيج الخارج وأريد من يحبني لأنه يعرفني، لا من يعجب بي لأنه لا يعرفني جيدا.
في آخر أشهر الأربعينات أشعر أنني أملك هدية العمر كله: الهدوء بعد المعركة ، ما عدت أنفعل بسرعة، ما عدت أخسر نفسي لأربح أحداً، ما عدت أخجل من قول «لا» وما عدت أفسّر اختياراتي ولا أبرر انسحاباتي..!
لقد عرفت أن الصمت أحياناً جواب، وأن الغياب رسالة، وأن الانسحاب ليس ضعفاً، بل امتياز لا يمتلكه كثيرون، أنا الآن أبتسم حين أفشل، وأرفع رأسي حين أُخذل، وأضحك بصوتٍ عالٍ حين أعرف أنني خُذلت من الذين كانوا لا يستحقونني، لم أعد أكره من غدر، بل أتعلم منه ولم أعد أحقد، بل أفرز قلبي كما يُفرز الجسم دمه.. ليبقى نقياً.
في هذا العمر أُدرك أن السلام الداخلي ليس هروباً من المعارك، بل انتصاراً فيها، وأن المحبة ليست في التعلق، بل في الحرية، وأن الحب الحقيقي لا يُعلن على المنصات، بل يُزرع في الداخل، وينبت في التصرفات، وأن الرجل الحقيقي، هو الذي يخرج من قلب العاصفة وهو لا يزال يعرف كيف يحتضن طفلاً، أو يكتب قصيدة.
الخمسون؟
دعها تأتِ، أنا لا أتهيأ لها، بل أستدعيها، سأكون في استقبالها بقميص أبيض وافكار واضحة وذاكرة ممتلئة، وسؤال جديد للحياة: هل انتهى المشهد؟
وسأضحك..
وأقول: بل بدأ للتوّ..
@malarab1



