وعندما نتحدث عن الغرائز، فإن الحديث يتجاوز الغرائز البيولوجية المتمثلة في الطعام والشراب والاستمتاع الجنسي، ليشمل أنواعاً من الغرائز غير المسيطر عليها، كغريزة الامتلاك وغريزة الاستهلاك والمتمثلة برغبة الإنسان في استهلاك كل ما تقع عينه عليه أو تشتهيه نفسه، طمعاً لتحقيق الذات وما يتبعها من لذة ونشوة نفسية. ومن هنا فثقافة الاستهلاك غالباً ما تقترن ببعض الدمار غير المرئي في جوانب الأفراد، مما سيجعلهم يدركون في المستقبل القريب أنهم كانوا مكبلين بشهية الشراء وبقيود الديون؛ مما يتطلب وضع خطة دقيقة للخروج من ديون الاستهلاك، وإحياء الأحلام المؤجلة. ولا شك أن التأثير الإعلامي لوسائل التواصل الاجتماعي، والإعلاني عبر مشاهير الإعلام الجديد على قرارات الأفراد الاستهلاكية وخصوصاً جيل الألفية وما بعده، وتجسيد تحقيق السعادة المزعومة في الاعتماد على المشتريات المستمرة دون النظر إلى الحاجة الحقيقية، وفي بعض الحالات يعتبر جيل الألفية وما بعده الاستهلاك والشراء غير المنضبط وسيلة لإظهار المكانة الاجتماعية، وتحقيق النجاح الاجتماعي لاعتقادهم أن شراء المنتجات الفاخرة أو العلامات التجارية المرموقة مؤشر مهم على ذلك.
ولذا، من المهم ضبط ثقافة الاستهلاك من خلال تنمية الذكاء المالي لدى الأفراد والمتمثل في المقدرة على التراجع عن الفرضيات الموهومة والعواطف المتعلقة بالمال ومراقبتها بموضوعية، ومن خلال تعزيز الاستقلال المالي وإدارة الموارد وفق مفهوم الأولويات الحياتية كالتعليم والصحة وتأمين الاحتياجات الأساسية وضبط الكماليات وغيرها، والحرص على النزاهة المالية والمتعلقة بامتثال الأفراد للقيم والسلوكيات المتعلقة بالمسؤولية والقيام بالواجبات الوظيفية وفق ما تضمنه الوصف الوظيفي للمهام المناطة بهم، وعدم القابلية للجنوح إلى الفساد والاعتداء على المال العام.
ولمعالجة هذه الظاهر يتوجب على المراكز البحثية دراستها، وصياغة خطة وطنية للحد من ذلك وإلا سيعاني المجتمع من ارتفاع نسب الفقر وقلة ذات اليد مما سيؤدي إلى ارتفاع معدلات الجريمة والسطو المسلح لإشباع رغبة التملك والاستهلاك تحت أي ذريعة وبأي مبرر، وفي المقابل يجدر بالمعلمين ورواد التربية وتعديل السلوك العمل على تصحيح التصورات الخاطئة المتعلقة بإثبات الذات، ومن ثم تقويم السلوكيات السلبية المتمثلة في الاستزادة من الأشياء الفوضوية الزائدة عن الحاجة، والتي غالباً تدخل حياة الأفراد عبر بوابة الأفضلية والمكانة مرهونة بجمع الأكثر، والبحث عن الإشباع الداخلي في المقتنيات الخارجية؛ وعندئذ ينعم الأفراد بالاكتفاء الذاتي والمجتمع بالرخاء والاستقرار، والله من وراء القصد.
@mesfer753



