- من الذكريات في مطلع الثمانينات الميلادية التحاقي بالدراسة للمرحلة الجامعية كانت مرحلة جديدة في أشياء كثيرة في الحياة، والاعتماد على النفس، وفي كل شيئ تقريباَ .
- بيئة مدينة جدة ومناخها الساحلي والرطب أعاد إليا ذكريات الطفولة في المنطقة الشرقية، ومع ذلك بقيت هناك أشياء غريبة، وجديدة، من ذلك الغريب كلمة لاحظت بأنها تتردد كثيرا على ألسنة الطلبة في الجامعة، وفي قاعات الدراسة، وفي المكتبة، وفي المطعم، وحتى في سكن الطلاب الجامعي. الكلمة هي « دش» بفتح حرف الدال وتسكين حرف الشين، وبعد مدة ليست بالطويلة فهمت أن هذه الكلمة تعني حرفياً « الكلام الانشائي والحشو الذي بدون فائدة» كان البعض يكتفي بقولها مرة واحدة كأن يقول: - هذه المادة دش.
والبعض يكررها ليؤكد ما يقصده فيقول مثلاَ: أن المادة الفلانية دش في دش.
- تذكرت هذه المفردة مع الأيام الأولى للعدوان الإسرائيلي الغاشم على غزة، عندما استمعت إلى معلقين، ومحللين في السياسة، وفي الاقتصاد، وفي العلوم العسكرية، والاستراتيجية، وأدركت على الفور أن بضاعتهم دش مركز، ولكني قلت في نفسي لعل الأيام تكشف لهم حقيقة ما يحدث من قتل، ودمار، وخراب لكل شيئ في حياة المدنيين الفلسطينيين وعندها قد يعدلوا في أفكارهم ومواقفهم وقد تصبح تحليلاتهم، وتعليقاتهم أكثر موضوعة، وأقرب إلى شرح وتوصيف مايحدث للناس.
-لكن ومع شديد الأسف الصراع امتدت أيامه التي كانت في الغالب لا تتجاوز الأسبوع الواحد، إلى الشهر، والشهرين، وبلغ عدد الضحايا من المدنيين أرقام غير مسبوقة، وتم تدمير عشرات الآلاف من البيوت والمدارس، والمرافق والأعيان المدنية، و بقي جماعة الدش يلوكون نفس الاسطوانة المليئة بالدش، وبكل شيئ إلا الحقيقة، ومن اللافت أن بعض أصحاب منهج الدش في التحليل، والتعليق تصدى لهم غير معلق على وسائل التواصل الاجتماعي وعارضوا كثير من دشهم المكشوف والقائم على البشارات المليئة بالوهم، والتي تقول للناس ممن فقدوا الاهل، والديار،لا مشكلة أنتم تضحون من أجل النصر القادم، هكذا بكل بساطة، وبكل جرأة للأسف.
- عالمنا العربي وهذا محزن جداً مليئ بهذه العقول التي لا تحسن سوى إنتاج الدش، الذي يذهب بالناس إلى البحر ويعود بهم عطشى، مسكين العقل العربي الذي أصبح ساحة للدش وأهله.



