@DrAlghamdiMH
* يبدو أن الأشياء العظيمة الـتي ترثها الـشعوب والأجيال دون تعب، لا تحظى بالأهمية الـضرورية، فغياب الـشعور بأهميتها يتسبب في ضياعها، المدرجات الحجرية في جبال شريطنا المطير جنوب غربي المملكة أحد أهم هذه الأشياء، قد تكون أهميتها للأجيال القادمة غير محسوسة، وقد تكون غائبة في حضورها، وقد تكون أهمية وظيفتها الـبيئية مفقودة من عقول ألـفت تجاهل رسائلـها، لا يظهر دور وأهمية هـذه الأشياء إلا بعد زوالـها، أحيانا لا تظهر مطلقا فتدفع الأجيال القادمة الثمن غالياً.
* هذا المقال الثامن عن المطر، وتحدياته علـى هـذه المدرجات الـتي تواجه الـزوال، أهميتها تكمن في كونها حصيلـة بناء إست م ر» 2000» عام، والمدرجات مشروع بناء كان يجب استمراره مع كل جيل لتحقيق استدامة توفر المياه الجوفية وتنميتها، وسلامة الـبيئة، تحولـت هـذه المدرجات إلى تراث ينتظر شفقة المحافظة علـيه، تحتاج صيانة دورية، واهتماماً مكثفاً، أصبحت إرثاً إنسانياً لا يقدر بثمن، إنها تفوق في أهميتها الحصون والمباني والـقلاع التاريخية التي تحظى بالحماية والاهتمام .
أكثر من سبب يدعونا للمحافظة علـيها، أهم الأسباب الاستراتيجية هو إنقاذ المستقبل من الـعطش، فسبب بناء هـذه المدرجات هو صيد مياه الأمطار في المقام الأول، إنها أحواض اصطناعية لتغذية المياه الجوفية بمياه الأمطار ولحفظ الـتربة واستثمارها عبر الـتاريخ، هناك أسباب أخرى رئيسية وثانوية تفرض الحفاظ علـيها لصالح أجيال المستقبل.
دعوتي للحفاظ على هذه المدرجات لاتعني إعادة تنشيط حضارة الرمق الأخير لا ردّها الله، كانت حضارة إنقاذ قامت في وجه الجوع والعطش والفناء، حضارة استثمار القليل المتاح، لتحقيق شعار: قوت لا يموت، حضارة لم تعد صالحة لعصرنا وزماننا.
الـيوم كل شيء في حياتنا مع وجود الـعلـم والـبدائل يجب أن يخضع لـدراسة الجدوى الاقتصادية في ظل شح المياه، خاصة في مجال الزراعة والبيئة، وعلـيه استحضر مشروع وزارة البيئة والمياه والزراعة في مناطقنا المطيرة جنوب غرب المملـكة: «مشروع إعادة تأهيل المدرجات الزراعية» ، كتبت عنه سابقاً، وقلت بأنه مشروع نهايته الفشل، مثله مثل نهاية مشاريع زراعات القمح والـشعير والأعلاف، مؤشرات الواقع تفرض قول هذا وأكثر.
مشروع إعادة تأهيل المدرجات الزراعية يثبت لشخصي أن طفرة الـزراعة لا تزال تفرض وتسيطر علـى ملعب الـوزارة ومسؤولـيها، لم نستطع لجم توسعاتها المضرة، تتوسع بدون قيود علـى حساب بقية قطاعات الـوزارة الأخرى، لـم تستطع الـوزارة خلق الـتوازن المطلـوب بين محاورها الـثلاثة: البيئة - المياه - الزراعة.
سيطرت الـزراعة علـى الـساحة عندما كانت الـوزارة تحمل اسم: المياه والـزراعة، كان ذلـك على حساب المياه الجوفية، ثم في مرحلة لاحقة، ومن أجل حماية المياه الجوفية، تم فصل الماء عن الزراعة، أصبحت الوزارة وزارتين، وزارة لـلـمياه و وزارة لـلـزراعة، وحتى هـذا الـفصل لم يردع الـتوسعات الـزراعية على حساب المياه الجوفية، ثم جاء الـدمج من جديد فأصبحت وزارة الـبيئة والمياه والـزراعة، معها استمر طوفان الزراعة حتى اليوم.
الـزراعة جاءت ثالـثاً في التسمية الـوزارية إلا أن نشاطها وسيطرتها استمرت في المقدمة، هل يستطيع أحدكم أن يأتيني بمشروع وطني واحد لمحور البيئة بوكالتها الوزارية، أيضاً أن يأتيني أحدكم بمشروع واحد لتنمية المياه الجوفية بوكالتها الـوزارية، بالمقابل كل المشاريع لـوكالـة الـزراعة الـوزارية، وهذا مشروع إعادة تأهيل المدرجات الـزراعية كنموذج صارخ يحمل التناقضات، ما تفسير هـذا الـوضع؟ لا أود الخوض في أبعاد وضع يوحي ويقول علـينا فهم ما لا يقال، ويستمر الحديث بعنوان آخر.


