- الشرق موطن الديانات ومهبط الوحي والرسالات السماوية، في الشرق تم تدوين الكتابة وتدجين الحيوان واستصلاح الاراضي للزراعه، الشرق مهد الحضارة، ومن الشرق شعت أنوارها على سائر انحاء الكرة الارضية، الشرق هو أرض السومريين والفراعنة والأكاديين والآشوريين والبابليين والاخمنيين والحثيين والعبرانين والمسيحيين والمسلمين. ونظرا لحاجة البشرية لمنظومة متكاملة من النظم والقوانين فقد اتسمت حضارات الشرق جميعها بطابعها الأخلاقي، الشرق منبع الأخلاق.
- اما الغرب، يونانيا كان أم رومانيا، والى عصر الكشوفات البحرية فقد كان استجابة محلية لمكانه، اذ لايقارن عطاؤه لغيره من أمم الارض بما قدمه الشرق، لقد كان نتاج الغرب له وحده، هذا هو الغرب، انه مادي منذ القدم، الغرب موطن المادة.
- واذا اردت ان تعرف الفارق بين الشرق والغرب فانظر الى تاريخهما وعلاقتهما بالآخر، لقد قدم الشرق لكل البشرية اسس الحضارة من لغة ودين وتنظيم اجتماعي واقتصادي وقبل ذلك الأخلاق، وعندما ظهر الاسلام فانه قد انشأ حضارة ودينا بقبول ورضى تامين من شعوبه، في المقابل انظر الى اخلاقيات الغرب في تعامله مع غيره، فعلى ايدي الغرب تم ابادة مايقارب ثمانين بالمائة من سكان ما اصبح يعرف بالعالم الجديد في الامريكيتين سعيا وراء المادة، سعيا وراء الذهب، وفي افريقيا انحدر المستوى الاخلاقي للغرب الى درجة غير مسبوقه في ازدراء النفس البشرية في تعاملها مع من يختلف لون جلدته معه، وفي شرق آسيا وعندما رفض الشرق في الصين واليابان فتح ابوابه للغرب، غزاه بأساليب يخجل المرء من سماعها، وتبقى الهند حالة خاصة في تشويه مسيرة بلد بكامله عندما يتمكن المستعمر الغربي منه، وانظر ايضا فيما بناه الشرق في ارض الغرب ذاته من روائع معماريه، ففي سياق مايسمى بحرب استعادة اسبانبا من العرب والمغاربة المسلمين، انظر الى هول مازرعوه في اجمل مساجد العالم في قرطبه وفي اجمل قصوره في غرناطه، هذا هو الغرب انه ينظر للاخر بمعايير لا أخلاقية.
- لقد وجد هذا الغرب في شرقه القريب، الذي سماه الأوسط (جاره القريب) المختلف عنه كلية، خصما ولا كل الخصوم، انه خصم مسلح بأرث من الأخلاق لايعرفه، اسأل الغرب عن زعامات تاريخية شرقية يعرفونها وأسألهم عن تجارتهم، وعن كثير من مفردات لغاتهم، الحروب الصليبية ارث تاريخي لخص مرحلة طويلة من محاولات محمومة من الغرب للقيام بحملات عسكرية لغزو الشرق تحت مسميات شتى، انظر الى الحملة الصليبية الرابعه التي كانت تنوي مهاجمة بيت المقدس والشرق عموما، غير ان المادة كانت لديهم أهم من الدين، فحولوا حملتهم صوب خصمهم الداخلي المسيحية الارثوذكسية في القسطنطينية، حيث عاثوا خرابا وفسادا في مبناها الأعظم أياصوفيا، في المقابل انظر الى ماحظي به البناء ذاته من رعاية واهتمام من قبل المسلمين، تأمل ذلك لتدرك الفرق بين المادة والاخلاق.
- عن أي معايير اخلاقية تتحدث عندما يصرح ساسة الغرب واعلاميوهم بأن هؤلاء الآخرون في الاراضي المحتله تجب ابادتهم، لقد بقي كامل الساحل الشرقي للمتوسط زهاء قرنين من الزمن في مشهد مد وجزر بين الشرق والغرب وفي سياقات كان المسلمون فيها بين كماشة الغرب المادي وسندان المغول الهمج، ومع ذلك عاد الحق لأصحابه، نحن اصحاب الحقول، نحن اصحاب الجذور، كما ورد في رواية عربية شهيرة لروائي سعودي، القوة لاتصنع حقاً، الحق واضح وضوح الشمس في كبد السماء.
- نعم نحن اصحاب الأرض، نحن أصحاب الجذور، ومهما كان المشهد أليماً وحالكاً وقاتماً، فلا بد لليل أن ينجلي كما قال شاعر تونس الكبير.
* أ.د. أستاذ العمارة والفن بجامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل



