- اهتمَّ الإسلام بمنزلة الكبير وجعل لها قدرًا ومكانة يطلب بها الأجر من المولى «عز وجل»، فقد صحَّ عنه «عليه الصلاة والسلام» أنه قال (إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم)؛ لذا تجد أن الناس يُجلسونه في صدر المجلس، ويُفسحون له الطريق، ويتراجعون عنه ليتركوه يتقدمهم في الصف، تقديرًا وطلبًا للأجر من المُنعِم «سبحانه وتعالى».
- وذو الشيبة، هو كل مَن كبر في السن، وبات أشيب الشعر، مثله كمثل صاحب المقال، ويكون إكرامه، باحترامه وتوقيره، وعدم رفع الصوت عليه، والمسارعة إلى خدمته، ومشاورته، والأخذ برأيه، ورعايته.
- ولنعلم أن للكبير فضلًا عظيمًا على المجتمع، فعلى يديه تكون البركة، فقد صحَّ عنه «عليه الصلاة والسلام» أنه قال: (البركة مع أكابركم)، وتجد أن مثله قد عمل وتكبَّد المشاق لرعاية أسرته، أو له قدم السبق في بناء مجتمعه، ورفعة موطنه، فرمال الصحراء وصخور الجبال وأمواج البحر، تشهد له ولأمثاله على الكثير من التضحيات التي قدَّموها طول سنين عمرهم، أفلا يستحقون منا شيئًا من رد الجميل.
- ولنعلم كذلك، بأن التقدير والبر الذي نقدّمه اليوم لكبار السن، سيعود علينا في الغالب بفضل عظيم، فلئن طال الزمان أو قصر، فأنت إلى أن تكون بمثل حاله، يقول الله في كتابه العزيز: (الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفًا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير)، فحريٌّ بنا أن نوقّر كبار السن، فحتمًا ستحتاج إلى مَن يُعينك على تحمّل عقبات كبر السن لاحقًا، وأن ما تزرعه اليوم ستجنيه غدًا، كنتُ لشدة حبي لوالدي -رحمه الله- وحرصي عليه، أسبقه لأضع له نعليه قريبًا من رجليه؛ ليسهل عليه لبسها ونحن خارجون من المسجد، وتعجّبت وأنا لا أزال بحمد الله وفضله في قوتي ونشاطي، أن يبادر بعض أبنائي فيعمل ذلك لي، فيكون ردًّا على عمل بر بسيط، كنتُ أحتسبه عند ربي، فوالله ما أعظم هذا الدِّين وما أجلّه، فالبر قدر موفَّى، طال الزمن أم قصر.
قال ابن زهر الحفيد:
إني نظرت إلى المرآة إذ جُلِيتْ.. فأنكرت مقلتاي كلَّ ما رأتــا
رأيت فيها شُييخًا لستُ أعرفه.. وكنت أعهدُه من قبل ذاك فتى.



