- فئتان من البشر.. الأولى تُعِد الأيام والساعات متى يحين موعد التقاعد من العمل ليبدأ أصحابها مشوارا جديدا من حياتهم، سواء كان ذلك المشوار فرصة عمل جديدة أو مشروعًا استثماريًّا جديدًا أو الركون للراحة والهدوء بعد سنين طويلة من العمل المتواصل، أما الشريحة الثانية فهي التي لم يخطر على بال الفرد أنه سيترك العمل ويذهب إلى منزله خصوصًا هؤلاء الذين وهبوا كل أيام سنينهم وأوقاتهم للوظيفة، ولم يحسبوا لها أي حساب أنهم سيتركون هذه الوظيفة مهما كان مركز ذلك الشخص.. هذه الشريحة غالبًا ما تُصاب بالاكتئاب والانزواء بالمنزل، ويظل شبح الوظيفة يطارد خيالهم إلى أن ينتهي أمرهم أو أن يدركوا أنهم على خطأ كبير، وبصلحوا مسار حياتهم.
في الواقع ذكر لي أحد الزملاء عن واقعتين ممن تأثروا بانتهاء فترة أعمالهم إلى التقاعد.. الحالة الأولى..
- أحد الأشخاص، وكان يتبوأ مركزا عاليا جدا في إحدى الشركات العملاقة وتحت إدارته حوالي ٢٠٠٠ موظف وموظفة، وكانت مدة خدمته في هذه المنشأة تقارب الأربعين سنة قضاها في حب هذه المنشأة والإخلاص في عمله، لدرجة أنه لا يتمتع بإجازاته إلا شهرا واحدا في السنة، وهو شهر رمضان، يقضي العشرة الأيام الأولى في مكة المكرمة ومعه زوجته، والمتبقي من الشهر يعود ليقضي ما تبقى وأيام العيد الثلاثة مع أبنائه وأسرته، وكان ينتظر العودة إلى العمل بفارغ الصبر، وكان أول موظف يصل إلى إدارته وآخر موظف يخرج من إدارته، ومضت السنون بسرعة، ولكن لم يضع في حسبانه اليوم الذي يغادر فيه تلك المنشأة، حتى أتى إليه رئيسه الأعلى ليخبره بأنه تبقى من فترة وجوده في الشركة شهران فقط، ومضى الشهران بسرعة فائقة، وتم تعويضه عن فترة عمله بمبلغ خيالي، ومرتب تقاعدي كبير جدًّا، ولكن لم يكن هذا التعويض بديلًا عن حياته العملية، وأقامت له الشركة حفلًا كبيرًا قدّمت له الشهادات والدروع والهدايا القيّمة، ولكنه لم يطلق ابتسامة واحدة طيلة ساعات الحفل.
وبعد الانتهاء من الاحتفال طلب من رئيسه الأعلى أن يودّع زملاءه ويلقي نظرة على مكتبه، وبعدها إلى المنزل شاحب الوجه، عندما رأت زوجته ملامح وجهه قالت لأبنائها: كنت خائفة من أن يأتي هذا اليوم، وجلس أمام أولاده الذين أعدوا له حفلة صغيرة في المنزل قدموا له الهدايا، ويمرحون أمامه ليخرجوه من الاكتئاب. فنادى زوجته وسلّمها الشيك الذي أعطته إياه الشركة وقال لها افعلي به ما تشائين، فليس لي حاجة به. وركن إلى المنزل لا يخرج إلا للصلاة، وانهارت قواه، ودخل في مرحلة سيئة حتى توفاه الله، هذا نموذج ممن لا يضعون لنهاية أعمالهم وقتًا ويظلون عبيدًا للوظيفة.
- أما الحالة الثانية فلشخص دخل سلك التعليم، وأصبح مدرسًا، وكان شديد التولع بالمهنة، وبالمدرسة ومضت السنون إلى أن أصبح مدير مدرسة نموذجيًّا في تعامله مع المعلمين والطلاب، وكان يُضرب به المَثل في حبه وولائه للمدرسة، لدرجة أن يومي الإجازة الأسبوعية كان يذهب إلى المدرسة ليتفقد فصول الدراسة ودورات المياه، ويتأكد من صلاحية كل شيء بنفسه، حتى أتت اللحظة التي ودّع فيها مدرسته والمعلمين، وخرج من المدرسة، ولكن هل تعلم عزيزي القارئ أين ذهب.. ذهب إلى واحد من أصدقاء المهنة، ويمتلك مدرسة أهلية وطلب منه أن يعود معلم مرحلة ابتدائية بدون مقابل.. الآن.. هل التقاعد نهاية أم بداية؟



