خذوهم بالصوت، مثل عامي يدل على أنه كلما كان لديك صوت عال؛ كنت قادرا على التغيير، والتأثير بشكل أكبر، فهل هذا الأمر، على حقيقته أم أنه ضرب من الخيال، وهل المتصفون بالهدوء، هم فئة مغلوب على أمرها، أم أنهم يتمتعون بكامل حقوقهم؟
الهدوء، كما تعرفه ويكيبيديا، حالة عقلية تتمثل بغياب الهياج، والإثارة والاضطراب. والشخصية الهادئة، شخصية محبوبة، لاتصافها بأوصاف إيجابية ورائعة، كانتقاء العبارات في النقد والمدح على حد سواء، ولتمتعها بمهارة الإصغاء والتي يفتقدها الكثير من أفراد المجتمع، بالإضافة إلى تميزها بقوة الملاحظة والتحليل، والتعامل برقي مع الآخرين.
وفي حين يرى بعض الناس، أن المتصفين بالهدوء أناس غير ناجحين، وسلبيون وغير واقعيين، تجد أن غالبية من يتصف بهذه الصفة، هم عظماء وناجحون بشكل كبير، وليس أدل على ذلك كله من اتصاف نبينا محمد - عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم - بهذه الصفة، وتمثله بها في حياته، ومن ذلك تعامله مع الأعرابي الذي بال في المسجد بكل هدوء وسكينة، وقد كاد الصحابة أن يبطشوا به لقاء عمله. فقال الأعرابي بعد أن فقه: فقام إلي بأبي وأمي فلم يؤنب، ولم يسب. فقال: إن هذا المسجد لا يبال فيه؛ وإنما بني لذكر الله وللصلاة. ثم أمر بسجل من ماء فأفرغ على بوله. وامتدح النبي - عليه الصلاة والسلام - أشج عبد القيس فقال له: إن فيك لخصلتين يحبهما الله ورسوله الحلم والأناة.
والمرء الهادئ، من طبيعته أنه يفكر قبل أداء أي مهمة، ولا يحب العمل تحت الأضواء، ولا يميل للأماكن الصاخبة، وتجد أنه كذلك من الصعب أن يتم استفزازه، ولكنه يتمثل قول العرب، اتق شر الحليم إذا غضب.
وهناك بون شاسع بين الخجل والهدوء، فالخجل، عبارة عن اضطراب نفسي وسلوكي، يحدث بشكل قصري، وهو أمر مؤذ، فمن ذلك، أنني أخجل من التعبير عما يضايقني من تصرفات، فلا أعبر عن رأيي خجلا، بينما الهدوء، هو سلوك شخصي إرادي، يحدث بشكل اختياري، حيث يستطيع الشخص من خلاله، أن يعبر عن رأيه بمطلق الحرية، ودون خجل، وبكل ثقة، ودونما الحاجة لرفع نبرة الصوت أو زيادة حدته.
وختاما، فإن الهدوء لا يعني بالضرورة أبدا الاستسلام، ورفع الراية البيضاء، بل على العكس تماما، فهو قوة ترتكز على دراية وتفكر وتفحص، قبل الاستعجال في الرد.
قال الشيباني:
فذو الصمت لا يجني عليه لسانه
وذو الحلم مهدي. وذو الجهل اخرق



