كما جرت العادة سنويًّا، تابعنا في آخرِ أسبوعٍ من رمضان معركة تحرّي الهلال والتصريحات المتناقضة بين الفُرَقاء، أحدهم يؤكد أن الشهر (29) يومًا، والآخر يجزم بأننا سنُكمل عدّته (30) يومًا، ولكل فريقٍ مؤيّدوه، وبعضُ «الشبّيحَةِ» ممَّن راهنوا على «شنباتهم» المسكينة.
وإن كنتُ شخصيًّا لا أحبُّ الخوض في تلك المسألة، فأنا لا أفهم بمنازل القمر وولادته والأفلاك بشكل عام، كما أنني أعترف بأنه لم يكن هناك مَنْ ينتظرُ رأيي فيها.
ولكنني، بصراحة، وجدتُها من الفعاليات الرمضانية التي تُضْفي شيئًا من الإثارة بنقاشاتها ومتابعتها في المجالس، وتهيئ الناسَ لأجواء العيد، من خلال الحديث عنه والتخطيط لاستعدادات اللحظة الأخيرة، كالحلاق والخياط والمغسلة والصالون... إلخ من الفعاليات التي نسمعُ قصصها و«ورطاتها» كلَّ عيد.
وما إنْ رُؤيَ هلالُ شوال، وانتصر فريق «الزَّعاق» على مُناوئيهم، حتى انطلقت التباشير، وبدأت الجوالات باستقبال سيلٍ هادر من التهاني والتبريكات، وعندها اختلطت المشاعرُ بين حزنٍ على فراق شهر رمضان بأجوائه الروحانية ونفحاته الإيمانية، وبين فرحةٍ بتمامِ شعيرةٍ عظيمةٍ من شعائر الله.
وبالحديث عن رسائل التهنئة، فقد يتضايق البعض من رسائل المعايدات الجماعية، ويصفها بالتهاني المعلّبة أو المشاعر «الرقمية»، كما سمَّاها عامل المعرفة الدكتور أحمد العرفج.
وفي رأيي أنَّ على الإنسان أنْ يفرح بهذه الرسائل، وإنْ كانت عامة، أو لم يُذْكرُ فيها اسمه، فهي على كل حال دليلُ مودةٍ ورسولُ محبَّةٍ، والعذرُ لمَنْ أرسلها أنَّ أحبابَه ومعارفَه كُثُر، ويصعب عليه أن يكتب لكل شخصٍ رسالةً خاصَّة به، يَسْتَهِلّها باسمه أو كُنيته.
وفي زمنٍ كثرت فيه المشاغل، وتمدَّدت شبكة العلاقات وتعقَّدت بين حقيقية وافتراضية، أقول شكرًا لكل مَن ذكرني وهنَّأني برسالةٍ بالعيد، وغمرني بجميلِ مشاعره، وفيضِ دعواته، ولو لم يكتبْ اسمي، أو كانت مذيَّلةً باسم غيره سهوًا أو نسيانًا.
وتذكّروا أنها أيام عيد وفرح، فلتكن المرونة النفسية في أعلى مستوياتها، وليلتمس بعضنا لبعضٍ العذر، ولنسمح للفرح بأنْ يغسل أيامنا، وللبهجة أنْ تسكن أرواحنا، وللبسمةِ أنْ تُزيّن وجوهنا.
الأكيد -بعد كل هذا- أن شهر رمضان قد انتهى ورحل، وقد بُحْنا فيه بحاجاتنا وأطلقنا أسرابَ دعواتنا تُحَلّقُ في السماء بين يدي الله «جلَّ في علاه»، فأحْسِنوا الظنَّ بالله وأبشروا، فدعواتنا ودائع عند الله، ولن يُضيّعَ الله ودائعَه، فهو القريبُ المجيبُ لمَن دعاه.
«إني مَددتُ يدي إليك تَضرُّعًا.... حاشا وكلّا أنْ يَخيبَ رَجائي»
بقي أن أقول ربما سيجد البعض ممن عاشَ شهرًا في كنفِ القرآن، وذاقَ لذةَّ القيام، شيئًا من التقاعس يتسَللُ إلى نفوسِهم بعد رمضان.
وهذا أمر طبيعي، فنحن لسنا ملائكة معصومين، ولكنَّا بشرٌ نُخْطئ ونؤوب ونذنبُ ونتوب، والله يحبُّ من عباده الأوَّابين التَّوابين.
وفي الختام، تقبَّل الله طاعاتكم، وأعاده عليكم باليُمْنِ والبركات. وإلى معركة الهلالِ القادمة، دُمْتُم بخيرٍ ورخاءٍ وسعادة.
@MetebQ



