يأتي إطلاق سمو ولي العهد للمناطق الاقتصادية الأربع مؤخرا امتدادا للمنجزات الاقتصادية والجيوسياسة التي حققتها المملكة، فهي تواصل مسيرة النمو والازدهار الاقتصادي في ظل ما تعانيه اقتصادات العالم من تحديات كثيرة تجاوز أثرها الاقتصادي ليشملها سياسيا وأمنيا كذلك. وتحمل المناطق الاقتصادية الخاصة التي تم إطلاقها أهمية كبيرة لا تنحصر فقط في تحسين قدرة الاقتصاد على جذب الاستثمار الأجنبي المباشر، أو تخفيض تكلفة الأنشطة اللوجستية للشركات المشاركة أو الحد من العمليات التقليدية المتعلقة بالاستيراد أو التصدير وكذلك زيادة فرص العمل بل تتجاوز ذلك للترويج الشامل للتجارة والنشاط التجاري بالمملكة بالكامل. حيث ينظر إلى هذه الخطوة من الناحية الاقتصادية بأن المملكة تعد أكثر انفتاحا على التجارة والتبادل التجاري وينظر إليها على أنها بيئة صديقة للأعمال وللاستثمار.
حيث تدرك القيادة الرشيدة حفظها الله أن المناطق الاقتصادية الحرة تعمل بشكل أفضل عندما يتم تنفيذها في سياق مجموعة متنوعة من المبادرات الاقتصادية والتجارية المصممة لتنويع الأنشطة المتعلقة بها. وبالتالي صاحب هذا الإطلاق تأكيد المملكة، على تطوير هياكل وسياسات اقتصادية وتجارية لدعم المصالح الاستثمارية للمستثمرين الذين يرغبون الاستفادة من هذه المناطق الاقتصادية والتي تشمل نظاما خاصا بالإعفاءات الضريبية، والسماح بإعادة بعض رأس المال وكذلك أرباح الشركة، وآليات الصرف الأجنبي، وسياسات الملكية الأجنبية وكذلك سياسات الإفصاح عن المنتجات التي تدخل وتخرج من المناطق الاقتصادية الخاصة. حيث تعمل هذه المجموعة الكبيرة من الهيكلة الاقتصادية والتجارية على تحسين قدرة هذه المناطق الاقتصادية على جذب المستثمرين لها. كما أن اختيار هذه المواقع الأربعة يأتي من إدراك وفهم اقتصادي إستراتيجي حيث لم تغفل المملكة أن أحد العناصر الأساسية في سياق إنشاء هذه المناطق هو أن لا توجد في فراغ حيث إن المناطق الاقتصادية لا تحقق عادة مزاياها الاقتصادية والنقدية الكاملة لسوق معين بمفردها. وبالتالي اختيار هذه المناطق الأربع كان دليلا على وعي عميق من قيادتنا الرشيدة للأبعاد الاقتصادية والمستهدفات المرجوة من هذا الإطلاق، بالإضافة لإدراك القيادة أن هذه المناطق لا ينبغي أن تكون نوعا واحدا فقط من المبادرات الاقتصادية التي يتم إنشاؤها لمرة واحدة لتحفيز النمو الاقتصادي المحلي والإقليمي في عدد قليل من الصناعات أو الأساليب المستهدفة. بل الفكرة أن هذه المناطق الاقتصادية الخاصة تعمل بشكل أفضل عندما يتم تنفيذها في سياق مجموعة متنوعة من المبادرات الاقتصادية والاستثمارية المصممة لتنويع الأنشطة الاقتصادية وهذا ما يعظم المنفعة من هذا الإطلاق وهو ما تقوم به مبادرات ومستهدفات رؤية المملكة ٢٠٣٠.
حيث ستساهم هذه المناطق الاقتصادية لدمج الصناعات المستهدفة في سلاسل التوريد العالمية، بالإضافة إلى دعم استخدام العمليات في الوقت المناسب أو عمليات JIT التي تعتمد عليها معظم شركات القطاع الخاص في البيئة العالمية. خصوصا وأن مدينتي جازان والملك عبدالله الاقتصادية تقعان على أحد أكثر الممرات البحرية استخداما في العالم والذي يشهد مرور ما يصل إلى 15٪ من التجارة العالمية سنويا. حيث تمتلك موانئهما مزايا لوجستية فريدة فضلا عن موقعهما الفريد والذي يمكنهما من مناولة سفن الحاويات من الجيل الخامس فضلا عن الخدمات اللوجستية الأخرى. بالإضافة إلى أن مدينة مثل جازان تساهم في تحقيق مستهدفات المملكة في تحقيق الأمن الغذائي من خلال بناء التجمعات الغذائية وتطوير الخدمات اللوجستية لسلاسل التوريد. وبالتالي فإن كبار مصنعي الأغذية، ومصنعي معدات المطابخ التصنيعية للإنتاج الضخم وإعداد الطعام، وتخزين الأغذية ومنتجات وخدمات أبحاث الأغذية مناسبة بشكل فريد للنظام الاقتصادي في جازان. ولا شك تسهيل وضع هذه الأنواع من البنية التحتية ومنشآت المعالجة داخل المنطقة الاقتصادية سيكون بمثابة نتيجة إيجابية صافية لجازان في جذب منتجات وخدمات جديدة. وبالمثل في مدينة رأس الخير والتي تحمل أهمية كبيرة خصوصا في ظل ارتفاع صادرات المملكة للأسواق الآسيوية وفي ظل وجود ميناء غوادر بباكستان وهو الممر الاقتصادي للأسواق الصينية والآسيوية النابضة والذي يعد ممرا اقتصاديا هاما لصادراتنا خصوصا وأن مدينة رأس الخير تعد مقصدا للعديد من الصناعات التعدينية ليس فقط على مستوى المملكة بل على مستوى المنطقة بأكملها عبر مجموعة من المواد الخام بما فيها الصلب والألمنيوم والنحاس والزنك والمعادن والسبائك الأخرى والأسمدة والسيليكا ومواد أخرى بخلاف المنتجات والبضائع المشتقة من البترول.
ولا شك أن إطلاق هذه المناطق الاقتصادية يتوافق مع سياسة المملكة الاقتصادية والنقدية وأهدافها الجيوسياسية كذلك ويؤكد مجددا الدور المحوري والمؤثر الذي تقوم به المملكة في خارطة الاقتصاد العالمي من خلال مبادرات فريدة لرؤية طموحة.



