لم أكن أتخيل يوما ما أنني سأكتب عن شأن مجتمعي ذي بعد قبلي، ليس لشيء، ولكن لأنني لست من أهل الاختصاص رغم أن دراسة العلوم السياسية جزء من دراسة الظاهرة الإنسانية الاجتماعية. ومن المواد المحببة عندي في فضاء العلوم السياسية علم الاجتماع السياسي، لما له من أهمية وخصوصية وقدرة على قراءة كثير من ظواهر الحياة وعلاقتها بالسلطة عموما وبالدولة. في الأيام الأولى من شهر رمضان انتشرت قصة مفجعة لمسن قتله شاب لأسباب غير معروفة، وسائل التواصل الاجتماعي غطت الحادثة ثانية بثانية، ونقلت للبعيد والقريب تفاصيل الذي حدث، ومن أجمل ما وصلنا كمتابعين ومراقبين لهذا المجتمع المبارك التحرك القبلي بين أهل الضحية وذوي القاتل. ما يمكن أن نسجله كمراقبين قدرة البعد القبلي المتمثل في الزعامات القبلية والقيادات التاريخية في مجتمعاتها على التأثير في أفعال الناس بما يحفظ الأمن والاستقرار، ويزيل ما قد يعلق بالنفوس، خاصة عند أهل الضحية من شوائب منها الطبيعي والعادي ومنها ما يمكن أن يتكون بفعل الغضب والجهل وسوء التصرف. واسمحوا لي هنا ألا أذكر اسم أحد بعينه، لأنني ببساطة لم استأذن أحدا في الكتابة عنه، ولأن البعض يودون من فضلهم وطلبهم لما عند الخالق عدم الحديث عن أفعالهم. نقول لتفصيل الحدث إجمالا إن القيادات القبلية وعبر العرف القبلي المحفوظ في عادات الناس وتقاليدهم تمكنت بنجاح مذهل من الخروج من أزمة هي أقرب إلى المصيبة الجماعية التي حلت بالأطراف الأربعة الطرف الأول أهل الضحية، والطرف الثاني أهل الجاني، والطرف الثالث الزعامات القبلية وكما عرفت أن أكثر من واجهة وزعامة قبلية شاركت في نزع فتيل لا أحد في حاجته، الطرف الرابع أبناء القبائل التي شاركت في الحشد والدعم المادي، وتقديم كل ما يؤكد نقطتين مهمتين في هذا السياق، الأولى أن أهل الجاني مبتلون كما هم أهل المجني عليه، الثانية أن الزعامات القبلية وأبناء القبائل الداعمة والمساندة لم يدخروا من مخزونهم الثقافي والاجتماعي ما يتقدمون به لرأب الصدع. فكان المثار الذي نقلته وسائل التواصل الاجتماعي للعالم، وبعد استفسار من أهل الخبرة عرفت أن المثار يعني في الأعراف القبلية وعند معظم قبائل المملكة والجزيرة العربية إعلاء الشأن بالسعي لتطييب النفوس بين أطراف لم يك لها في الأمر ناقة ولا جمل، لكنها بطبيعة الأمور يجب أن تقوم بدور اجتماعي وإنساني. نجح المثار في حقن الدم وتصفية النفوس، وسلم رسن قيادة المجتمع للدولة وسلطاتها لتفصل فيما تراه بين متفاهمين.



