ننعَم في رغد من العيش، حيث يحظى المرء منا غالبًا بأسرة ترعاه، بين والدين وإخوة وأخوات، يشعر مع أسرته بالدفء والحب والرعاية والحنان، في حين أن لنا إخوانًا وأخواتٍ، لم ينعَموا بما ننعَم به من نعمة، ولم تتهيَّأ لهم الظروف التي تهيَّأت لنا، وقد جسّدت الكاتبة جين ويبستر بعضًا من هذه المعاناة، في رواية بعنوان «صاحب الظل الطويل»، أسوق لكم بعضًا منها هنا.
رواية «صاحب الظل الطويل» تتحدث عن معاناة فتاة يتيمة، عاشت في ملجأ وعانت الويلات، ولكنها لتميّزها وتفوقها وإصرارها، أكملت دراستها الثانوية، وقام أحد المهتمين بالملجأ بإرسالها إلى إحدى الجامعات لتكمل دراستها، وهناك كتبت جزءًا من مواقفها اليومية لذلك المحسن عبر الرسائل التي كانت ترسلها له باستمرار، ومما يُدمي القلب بعض من الأمور التي ذكرتها:
تقول هذه الفتاة اليتيمة في الملجأ:
ربطت إلى عصا في فناء «الميتم» لمدة أسبوع خلال الفسحة؛ لأنني أخذت بعضًا من البسكويت.
إنه لشعور قاتل، حين تجلس في المدرسة، بقرب فتاة، ألبس ثوبها الذي تبرعت به، فتنظر لي وتهمس لغيري، بأنه أحد فساتينها التي تبرعت به لملجأ الأيتام.
وفي الجامعة.. أُعطيت غرفة خاصة؛ لأن مكتب التسجيل، ربما رأى أنه ليس من اللائق أن تسكن فتاة حسنة النشأة، مع فتاة لقيطة، وتكمل تلك الفتاة المسكينة: لقد ذكرت لي زميلتي، أنها تشعر بالحنين إلى بيتها، أما بالنسبة لي، فالبيت مرض نجوت منه، فلم أسمع بأحد ما عانى الحنين إلى «ميتم»، وتجدني أستمع للفتيات وهن يتكلمن عن تجارب، وعن أسماء لأشخاص لا أعرفهم، فأكون مصدرًا للسخرية بين البنات.
وتضيف: إنه لشعور جميل أن أشتري بنقود أملكها، وأن ألبس فساتين تمت خياطتها لي، ولم تُقدّم لي من أحد يكبرني سنًّا، وتجدني أتظاهر بأن ما اشتريته عبارة عن هدايا أرسلت لي من أسرتي، فالساعة من أبي، والبطانية من أمي، والجوارب من عمتي، ثم تختم رسائلها، وتقول الفتاة أحبك يا سيدي المحسن أكثر من الجميع، لأنك عائلتي مجتمعة في شخص واحد.
كما أنني بطبيعتي، أحسن الظن بالناس، ويصعب عليّ ألا أحكي تجاربي التي تحدث لي لأول مرة.
وفي الختام، فالجرح كبير، والألم عظيم، والمعاناة أكبر من أن تُكتب في رواية أو حتى أن تحتويها مجلدات؛ لذا فلن تلمس أحوال من حولنا، ولنراعِ ظروفهم، فلا نكون عونًا لمصائب الدهر عليهم، وعلينا أن نبذل ما نستطيعه من دعم ورعاية، ولنسهم في حمايتهم ومساندتهم، فأجر ذلك عند الله كبير وعظيم.
قال المنفلوطي «رحمه الله»:
أودى بي الحزنُ واغتال الجوى جلدي.. وفرقَ الشجوُ بينَ الروحِ والجَسَدِ
واستهدَفَتني صُروفُ الدهر راميةً.. تُصوبُ النبلَ نحوَ القلبِ والكبدِ.
@azmani21



