@wallaabdallagass
لكل شخص منا ذات مفكرة تشكل جوهر النشاط العقلي من أفكار وأنماط تصرف وردات فعل، ذواتنا المفكرة مشروطة بالماضي، تتأثر بنشأتك وثقافتك ورزمة من الذكريات وتصنيفات جماعية من الدين والعرق والطبقة والألوان السياسية، لذلك من البديهي أن يختلف مضمون الذات المفكرة من شخص لآخر لكن هذا الاختلاف يعد اختلافا سطحيا لا ينفي تشابه العمق فجميع الذوات المفكرة فينا تتحرك وتعمل بالطريقة نفسها.
تحيا ذواتنا المفكرة على التماهي والفصل، فهي تدفعك إلى التماهي معها والعيش عبر تلك الذات التي شكلها العقل من أفكار ومشاعر، فالفكر والعاطفة في صلب تكوين كل منا، ولتدعم الذات المفكرة نفسها تحتاج إلى فكرة مضادة عن الآخر وتعزيز الانفصال عنه، فهذا النمط الأنوي وغير الواعي يمتلك عادة قهرية تقوم على تعييب الآخرين والتذمر منهم.
التذمر والامتعاض إستراتيجية مفضلة يعتمد عليها العقل الأنوي لتقوية الذات المفكرة فيك، فيميل عقلك إلى تصنيف الآخرين وتتبع أخطائهم في صورة من أبشع صور الحكم الآخر وأكثرها فظاظة لكنها يغذي حاجة الأنا إلى أن تكون على حق دائما، يترافق تصنيفنا العقلي للبشر دائما مع التذمر والامتعاض وهو شعور ساخط ومرير حيث تدفعك ذاتك المفكرة دوما إلى الامتعاض من جشع الناس أو عدم نزاهتهم أو إخفاقاتهم وهفواتهم وكل نواقصهم، وبدلا من التغاضي عن ذلك الجزء اللاواعي في الآخرين تلصقه بهم بل وتجعل منه هوية لهم!!
قد يكون العيب الذي تتصوره في الآخرين غير موجود أساسا فهو سوء تفسير للحدث بالكامل أو إسقاط يجريه عقلك المشروط برؤية الجميع منافسين ولربما أعداء وعليه أن يتفنن في تصوير نفسه صائبا ومتفوقا عليهم، في حال كان العيب موجودا فعلا فإنك بالتركيز عليه واستبعاد كل شيء سواه فإنك تضخمه في الآخرين ولا بد من أن تعلم أن كل ما تتفاعل معه في الآخر تقويه في نفسك.
بدوري أدعوك إلى حالة اللاتفاعل مع الأنا اللاواعية التي تتحكم في ذاتك المفكرة فتلك أكثر الطرق نجاعة ليس لتجاوز الأنا في ذاتك فقط بل لتبديد الأنا الإنسانية الجماعية. عندما تكون في حالة من اللاتفاعل ستدرك أن ما تتذمر منه في سلوك الآخرين غير شخصي وإنما هو منبعث من الخلل الوظيفي البشري الجماعي الذي تسببت به أنانية الأنا البشرية وعندها ستكون قادرا على جلب التعقل في ذاتك والآخر، تعقلا يغذيه وعي صاف وغير مشروط.
قد تحتاج أحيانا لحماية نفسك من أشخاص منغمسين في أناهم وغير واعين بصورة عميقة لكن ذلك لا يتطلب مطلقا التذمر والامتعاض وتحويلهم إلى أعداء في عقلك فأعظم حماية تحصل عليها هي أن تكون في حالة من الوعي الذي يدفعك لعدم شخصنة الأمور والتفاعل معها.
تميل ذاتك المفكرة أحيانا لأن تشعر بالامتعاض ليس من الآخرين فقط بل من ظروف الحياة، فتواجه تجاه أحداث الحياة بمعان تتضمن التذمر من الحدث أو الاعتراض على حدوثه لك شخصيا وعدوك هنا هو اللحظة الراهنة التي تشكل جوهر الحياة نفسها.
فالتقط ذلك الصوت في عقلك الذي يدفعك إلى التذمر وتعرف على حقيقته فهو نمط فكري مشروط ليس أكثر متى لاحظته ستدرك أن ذلك الصوت لا يمثلك وأنك الوعي الصافي خلفه، لا تبتئس لو عاودتك تلك العادة الذهنية من التذمر فهذا النمط العقلي يمتلك زخم آلاف الأعوام من اللاوعي الجماعي لكن تأكد أنك كلما تعرفت عليه زاد ضعفا!!


