salemalyami@
هناك قصص مهما اختفت في زوايا الذاكرة تبقى حاضرة بتفاصيلها وشخوصها، وكأنها حدثت للتو. قصة تبقى طازجة وقريبة من القلب والعقل. من تلك القصص قصة قديمة حدثت معي منذ أكثر من ثلاث وثلاثين سنة، عندما كنت مدرساً في إحدى المدارس المحدثة بمنطقة مكة التعليمية، وتحديداً في وسط مدينة جدة. وقتها كنت حديث عهد بالعمل الحكومي، حيث لم يمض على تخرجي في الجامعة أكثر من خمسة أشهر، وبعدها أصبحت موظفا في الدولة بمهنة مدرس فصل، أي أدرس جميع المواد لعدد من التلاميذ بشكل كامل. في تلك المرحلة بذلت جهدا إضافيا في الاقتراب من طبيعة وخصوصية النظام التعليمي والتربوي، لكي أكون مفيدا للآخرين خاصة طلابي، الفائدة التي كنت أحاول الوصول إليها يمكن تسميتها بأدنى الحدود من التمكن من تمثيل دور المدرس بطريقة مقنعة لمدير المدرسة وللسادة الموجهين وللآباء وأولياء الأمور في المقام الأول، من أولياء الأمور الأوائل الذين ربطت معهم معرفة ما السيد سين وهو جار للمدرسة ومنزله أمام المدرسة مباشرة، وقبل بداية اليوم الدراسي كان الرجل في الغالب يكون موجودا أمام باب منزله أو حول سيارته بلباس عادي أو كما يقولون ملابس المنزل أو البيت، كان السيد سين يعرف أغلب المدرسين لأن له أكثر من ولد في غير صف في تلك المدرسة، ويعرف السيد مدير المدرسة بحكم أنه جار قريب للمدرسة، ويعرفني بشكل مباشر لا، أصغر أولاده المدعو غسان، أحد تلاميذي الثمانية والعشرون تلميذاً، لا يعرفون في المدرسة غيري، حيث أدرسهم كل المواد بما في ذلك حصة التربية الفنية التي كنت أؤديها وأنا باللباس الرسمي الثوب والغترة والعقال، كثيرا ما فكرت في منطقية الذي يحدث، ولكن في النهاية كان يجب أن يحدث بتلك الكيفية. غسان كان من الطلاب المميزين، وأول علامات التميز لذلك الطفل الصغير الذي أعتقد أنه اليوم على مشارف الأربعين من عمره حجمه الضئيل، والذي لا يتناسب مع عمرة البالغ في ذلك الوقت ست سنوات وبعض الأشهر، حتى أنه يخيل لمن ينظر إليه أن عمر ذلك التلميذ لا يتجاوز أربع سنوات على أعلى تقدير، لكن غسان حي وحاضر بلسانه، حيث يتكلم بطريقة قد تفوق عمره، يزين طريقة كلامه لهجته الحجازية الرشيقة والمعاني الطفولية التي يتناولها عندما تتاح له فرصة الحديث عن هواياته أو الطيور ذات الألوان الزاهية التي يربيها هو وأخوته. غسان كان من مميزاته في الحديث أنه ينطق حرف السين ثاء، ويعرف ذلك كل من يتعامل مع غسان، حيث كان السؤال التقليدي للطلبة الجدد سؤال كل منهم عن اسمه فيرد غسان كالعادة بقوله:
- اثمي، غثان.
وكان هذا الرد البريء غير الموارب يكشف للمتحدث معه هذه الخصلة فيه، والتي فهمت في حينها كمدرس مبتدئ أنها تتلاشى مع الوقت، وأن هناك تدريبات عملية يقوم بها من لم يتخلص من هذه العادة مع تقدمهم في العمر. غسان سين جلبه والده في أحد الأيام إلى المدرسة وهو يحمله كعفوي صغير من رقبته وسلمه لي في الفصل وهو يقول:
-خد، ابن الك......، يقول طفشان ما يبغى يجي المدرسة الأفندي.
هذه واحدة من قصص غسان التي لا تنتهي، بأمل تذكر المزيد.



