قد ينخدع الكثيرون بلقب «دكتور» حينما يذكر قبل اسم أحد الأشخاص في محافل عدة، فيعطون بعضهم مقامات أكبر من أحجامهم الحقيقية، كما يستفيد بعض من يسبق اسمه حرف «الدال» من ذلك لتمرير مصالحه الشخصية وأعماله الخاصة، اليوم وفي عصر التسارع بدأنا نقرأ ونرى العديد من درجات الدكتوراة المزيفة التي انتشرت كالنار في هشيم مجتمعنا وعلى كثير من الأصعدة الثقافية والعلمية، والتي يتم اكتشافها لاحقا والتأكد من كونها درجات تم دفع ثمنها والحصول عليها دون مجهود فكري أو نتاج علمي يذكر، أمثال هؤلاء يذكرونني بأحد الدكاترة الذين درست بعض المواد على أيديهم في الجامعة، فقد ذكر لي أن الدرجة العلمية ليست ذات قيمة اقتصادية لمن هم مثله، الأمر الذي دعاني للاستعلام عن السبب، فقال لي إنه درس وثابر لمدة ثلاث وعشرين سنة حتى حصل على درجة الدكتوراة في بنجلادش، لكنه يغبط عامل النظافة الذي أتى من بلده، حيث إن دخل الأخير الشهري أفضل من دخل صاحب الدرجة العلمية! لقد قال إن عامل النظافة يستطيع العمل خلال ثماني ساعات في التنظيف بينما يمتلك بقية اليوم لنفسه فقط، ويستطيع العمل في مجالات أخرى كتنظيف المنازل وتشذيب الأشجار وغسيل السيارات، هذه الأمور تدر على عامل النظافة ذلك الكثير من الأموال بينما لا يستطيع الدكتور في الجامعة القيام بتلك الأعمال كونه حاصلا على تلك الدرجة والتي تجعله منهمكا في القراءة والتحضير والقيام بالعديد من الأبحاث والدراسات المجانية غالبا، ولن يقبض في آخر كل شهر سوى راتبه الذي يتقاضاه من الجامعة، هنا اعترضت على الدكتور وذكرت له أن راتبه قد يكون أضعاف راتب عامل النظافة ذلك فكيف يقارن بين المرتبين أساسا؟ أجابني وكأنه يسخر من نفسه حينما قال بأن عامل النظافة يمكنه السكن ضمن مجموعة عمال نظافة تقوم الشركة المستقدمة له بتوفير ذلك السكن لهم كما توفر لهم المأكل والمشرب والملبس ووسيلة المواصلات من وإلى موقع العمل، كما توفر له التأمين الصحي وتذاكر السفر والعودة بالإضافة للتأشيرات، بينما يقوم الدكتور في الجامعة بدفع إيجار السكن ومصاريف الملابس التي يجب أن تليق بمستواه العلمي وإيجار السيارة أو أن يستقل سيارة أجرة، كما يدفع المبالغ الكثيرة التي يصرفها على الهندام والعطر الفلاني، إضافة إلى أن الدكتور في بلدكم (يعني هنا)، يعمل غالبا في جامعة حكومية لا توفر له التأمين الصحي وليست مسؤولة عن كمية الغذاء التي يستهلكها يوميا، هنا توقفت قليلا رغم عدم تأكدي مما أفاد به في آخر كلامه، لكنني عدت لسؤاله قائلا: أخبرني مجددا فقد نسيت العدد، كم أمضيت من السنين كي تحصل على هذه الدرجة العلمية؟ فأجاب بأنه أمضى ثلاثا وعشرين سنة ليحصل على درجة الدكتوراة، حينها نظرت إليه مطولا ثم قلت له كما قال عادل إمام (بهجت الأباصيري) لسهير البابلي (أستاذة عفت عبدالكريم) في مسرحية مدرسة المشاغبين عام ثلاثة وسبعين، «وضيعتي عشر سنين من عمرك بتدرسي المنطق؟»، يا له من منطق ذلك الذي أهدر جناب الدكتور عمرا لأجله فعاد عليه بالخيبات لدرجة أنه يتمنى لو يعود به الزمن ليعيد جدولة حياته ليشغل وظيفة عامل نظافة!!
@azizaljasim



