في الماضي القريب والبعيد كان الرجل إذا وصل الأربعين عظُمَ في نفسه وعين الآخرين، وأكبروه وتصدَّر المجالس، وكان يتخلّى عن كُل ما قد يكسر تلك الهالة التي وضعها هذا العُمر حوله. فلا يبتسم إلا لِمامًا، ولا يُسرع في خُطاه! ولا يلتفت إلا إذا تكرر النداء فيلتفتُ بنصف وجه دون أن يميلَ بكاملِ جسده. وهذا مما كان يجعلنا ونحنُ صِغار نرى هذا الرجل الذي بلغَ الأشدّ لتوِّهِ رجلًا مُهابًا نفرُّ مِنه في الطُرقات، ولا نجرؤ على وضعِ أعيننا في عينيه.
الأربعون رقمٌ صعب.. فيهِ يتوقف الإنسان لرؤية العُمر الماضي، نظرة تأمل ودراسة.. ويستعد لما بقيَ من عمره ويعدّ لهُ العدّة، فإن وصل الأربعين شدَّ مئزره وحقيقٌ بهِ أن يُحييَ ليله ويستعد للرحيل. في هذا العُمر تُبعث النبوة، وفيهِ تولد التوأدة والنظرات العميقة للأمور، لا يكون الرجل في مراحل الاكتمال إلا بالأربعين فكما يُقال هو «عمر الكهولة واكتمال الرجولة» ولكن كان هذا في القرون الماضية والأعوام السالفة! واليوم كُل شيءٍ استحال إلى عكس ذلك وأردى!
يُعاني الكثير من أزمة منتصف العُمر، والتي تأتي بالتزامن مع الأربعين، فيما مضى كان من يُعاني من هذهِ الأزمة يتهرّبُ مِنها بالتجارب الجديدة وخلق العادات والهوايات، فقد يتسلّق قمة جبل، أو يؤلف كتابًا، أو ينخرط في جلسات اليوغا والعلاج الروحاني، أو يمشي خمسمائة كيلو متر ليسجل أرقامًا جديدة في إنجازاته ويشعرَ بالحياة التي بدأ يفقدها!
ولكن في زمن التكنولوجيا والتطوّر الرقمي، أصبحَ لأزمة منتصف الُعمر مخارج كثيرة تَقيك منها، والتي من أبسطها وأقربها إلى قلب كُل من يعاني هذه الأزمة أن يهرُبَ إلى «بثوث التيكتوك» فلا تستغرب عزيزي القارئ عندما تتجول في هذا البرنامج الغريب، لتجِدَ والدًا -لو رأيته في المسجد لقبلت رأسه ويديه- يقوم بتمارين «البوش آب» وبجوار صورتهِ فتاة في عُمر أصغر حفيدته تحسبُ معه كم مرةً يخفض ويرفع جسمه، فهو يطبق أحد الأحكام التي حكمتها عليه هذه الفتاة، نتيجةً للعبةٍ يلعبانها تنتهي بأن يحكم الفائز على الخاسر، ولا عجب أن الوالد -حفظه الله- سيخسر ويطبق الحكم لكونهِ سيفوز بأكبر عدد من المتابعين الساخرين، والذي سيضمهم لقائمة إنجازات أزمة منتصف العُمر!
وإن أكملت الرحلة في هذا البرنامج ستجِدُ عجبًا وعُجابا.. آباء، أجداد، أمهات، جدات، كلهم يحاولون الخروج من مأزق أزمة منتصف العُمر بعملِ كُل ما قد يُثير السخرية والضحك بطعم البكاء على شيبٍ لم يزد وقارًا ولا عُمرٍ يزيد هيبة وجلالا. إنما بحثًا عن إنجازٍ وأضواء ولو كانت ستجعلُ مِنهم أضحوكةً لمراهقين.
في الختام عزيزي القارئ أنصحك بأن تُعدّ العدّة لأزمة منتصف العُمر إن لم تُصبك بعد! واستعصم بأحد الجبال قبل أن يُغرقك طوفان «أحكام تيكتوك» أو مراهقة تأمرك بخلع طقم الأسنان أو الرقص على أنغام «بيبي شارك».
@I_hs149



