مما جعل الإنسان يتميز عن الكائنات الحية الأخرى، أن الله منحه العقل، وهذا العقل نعمة كُبرى لا يدركها إلا العاقل الفطن، الذي يشعر بحقيقة الأمر أنه إنسان بعقله لا بصورته ولا بأي أمر آخر سوى العقل فقط!
ولكن هذا ليس الأمر وحده؛ أن نتيقن فقط بوجود العقل، ومن يقف على تيقنه هذا، فهو ليس إنسانًا حقًّا، وإنما كبقية الكائنات الحية، ولكنه شاذٌّ قليلًا عنهم بامتلاكه عقلًا.
فلِكَي تكون إنسانًا حقًّا ولك كرامتك الإنسانية، عليك أن تجمع بين أمرين، أولًا تيقنك بوجود العقل، والأمر الآخر أن تصل بهذا العقل إلى حدود العقلانية لتستفيد من محاسنه وسماته!
ومن ضمن هذه العقلانية أن تُقر بذاتك بأن لك كيانًا خاصًّا عن غيرك، فلا تكون إمعة تسعى وراء الكثير دون وعي منك ولا عقلانية! وكل ذلك ببساطة أن تجعل لك مبادئ وهي كالحدود، التي ترسمها لكرامتك بألَّا تخالفها وأن تمشي خلفها.
فالمبادئ عندما تعتمد عليها -وبالتأكيد بعد اختيارك بعناية لها وبما تتوافق مع عقلك- تصبح ملكًا في مملكة عقلك، ولك أسوار منيعة لا يمكن لأحدهم أن يتسلل إليك أو يضعك في موضع حرج، وتكون ذا كيان متفرد.
ما جعلني أقول هذا الكلام أن ما أراه اليوم هو أشبه بسباق البهائم، فهناك مَن تجدهم يتصارعون على تسطيح كرامتهم وتجريد إنسانيتهم، وكل هذا من أجل مال أو سلطة أو تأثير، صدقني أن الأمر الذي يكون وصولك إليه سريعًا وعلى حساب كرامتك، سيكون كومض البرق ولن تجد في نهاية الأمر سوى موقف محرج لك لا تحمد عقباه.
ابْنِ لك مبادئك، التي تناسبك، وعِشْ بعقلانية ولا تفكِّرْ كثيرًا نحو ما يسعى إليه الآخرون، واجعَلْ لنفسك مملكة تكون فيها ما ترغب، ودون تقيد لأحد، إنما بحرية ذاتية تنعم بها، ولا تسْعَ وراء الكثرة، فإن المعدن الغالي اليوم لا يلتف حوله إلا قلة.



