كنت دائما ومازلت أردد المقولة إن تجربة العيش في الغرب مثل أمريكا وأوروبا مختلفة، وتجربة فريدة اكتسبت منها الكثير ثقافيا واجتماعيا بالإضافة للتجربة التعليمية، التي ابتعثت من أجلها. كما أن أسلوب العيش كفرد ضمن مواطني تلك البلاد له مذاق خاص ويختلف عن زيارة تلك الدولة كسائح ولو طالت مدة الزيارة. فاحتياجاتك واحتياجات أسرتك اليومية لا تتمحور حول الرحلات للمعالم السياحية والتسوق وغيرها من النشاطات المعتادة للسياح. والغريب في الموضوع ذلك الشعور عندما تحس بأنك تسكن في مدينة قد يكون فيها معلم سياحي مشهور ولا تقوم بزيارته حتى يزورك أفراد الأسرة، ويطلبون منك زيارة ذلك أو الذهاب لمنطقة أو مطعم معروف لم تفكر أنت بزيارته برغم إقامتك في تلك المدينة لسنوات. وكلنا نعرف أن كونك مبتعثا تقيم في أمريكا أو أوروبا يكون عادة سببا للأهل والأقارب لزيارتك وطلب أخذهم في جولات سياحيه كونك في نظرهم أصبحت من «خبراء» المعالم السياحية في تلك المنطقة.
وهناك ناحية ذات أهمية كبيرة كونك مسلما في بلاد أنت فيها ضمن أقلية دينية ولغوية وثقافية واجتماعية. فعند وصولك تبدأ رحلة البحث عن مطاعم وأماكن جزارة حلال ولا تخلط محتوى الطعام بلحوم أو دهون الخنزير، الذي ينتشر كثيرا في تلك الدول. وتحس عندما تكتشف بقالة أو محل جزارة يقدم اللحوم الحلال والأطعمة مثل التي تعودت عليها في الوطن مثل النعناع لعمل الشاي والملوخية والبهارات مثل الهيل والقهوة، خاصة في شهر رمضان الكريم أنك اكتشفت كنزا ثمينا، والكل يعرف معنى ذلك الشعور عند الجلوس على مائدة الإفطار، التي تحوي طبيخ الوالدة، الذي تعودنا عليه في الوطن في الشهر الكريم. ويضاف ذلك إلى كل الشعائر الأخرى في ذلك الشهر الفضيل، التي تعطينا إحساسا بالطمأنينة مثل صلاة التراويح وقراءة القرآن والتجمع مع أفراد الجالية المسلمة في تلك المدينة.
ومن أعجب ما رأيت مطاعم تبدو في ظاهرها أنها مطاعم عربية تقدم الأطباق طبقا للشريعة الإسلامية والمأكولات العربية، ولكن تفاجأ بقائمة الطعام، التي تحوي أطباقا مثل حمص إسرائيلي وتبولة إسرائيلية وتستمر تلك القائمة الغريبة من مسميات المأكولات، التي نعتبرها في صميم ثقافة وعادات المطعم العربي. ولك أن تتخيل الصدمة، التي أصبت بها أول مرة قرأت فيها قائمة الطعام وأحسست بأن في الموضوع مزحة غبية أو نوع من أنواع المقالب للزائر العربي، ولكن ذلك الإحساس تغير عندما اكتشفت أن الموضوع منتشر في بعض المطاعم الإسرائيلية في مدن معينة مثل نيويورك. ردة فعلي كانت خليطا من الضحك لأنها في اعتقادي نكتة بايخة ثم الغضب لأني اكتشفت أن الإسرائيليين لا يسرقون فقط الأرض الفلسطينية، بل ويسرقون معها ثقافة المطعم العربي. ثم تكتشف أن كثيرا من المفردات المستعملة في اللغة العبرية يوميا عربية «قح» حتى بعض المفردات القبيحة منها، وفجأة يتردد على لسانك المقولة المعروفة «شر البلية ما يضحك وإذا لم تستح فاصنع ما شئت» فمن الواضح إن هذا هو نوع من أنواع محاولة طمس الهوية العربية للأراضي المحتلة وشعبها الفلسطيني. إسرائيل لا تملك ثقافة خاصة بها، وتعوض ذلك بسرقة ثقافة الآخرين تماما كما تسرق أراضيهم وحقهم في العيش بكرامة.
@almaiahmad2