يُعدُّ الناقد الفرنسي سانت بوف أو سانت بيف، كما يحلو لبعض المترجمين تسميته أشهر أسماء نقاد الأدب العالمي في العصر الحديث، فسانت بوف يمثِّل سيرة أدبية مُفعمة بالعمل الدؤوب والنشاط المستمر، ويمثل حياة ناجحة متفوقة في الأدب، كما يمثل سيرة إنسانية عالمية تستحق الثناء والتقدير، فلقد أحدث هذا الناقد العظيم نقلة نوعية في التاريخ الأدبي الحديث، جعلته يمثل مكانة هامة تستحق البحث والدراسة، فهو بلا شك مؤسِّس النقد الأدبي الحديث.
ظل النقد الأدبي منذ الفيلسوف الإغريقي القديم أرسطو وهو يطوي السنين والقرون دون أن يطرأ عليه أي تغيُّر نوعي، حتى النقاد العرب في أزهى العصور الإسلامية لم يخرجوا عن تقليدية أرسطو سوى بعض اللفتات العبقرية التي قدَّمها عبدالقاهر الجرجاني، أما معظمها فظلت تحت قبضة القوالب الأرسطية والتي حكمت هذا الفن الأدبي ما يقارب ألفي عام، ولكن التطور العلمي في القرن التاسع عشر كان قد تسارعت خطواته بشكل قوي وملحوظ، وكان علماء النبات والحيوان قد صنَّفوا الكائنات الحية إلى ممالك وفصائل وطوائف وعشائر – حسب خصائصها وأشكالها وسلالاتها – حتى يسهل حصرها ودراستها وإجراء البحوث عليها، فتأثر سانت بوف بهذه الطريقة وطبَّقها بصورة ذكية وفريدة على النقد الأدبي، فصنَّف الأدباء والشعراء إلى فصائل وطوائف وعشائر، وذلك حسب مدارسهم الشعرية وأعراقهم الجنسية وتوجُّهاتهم الفكرية، فأحدث بذلك ضجة واسعة في أوروبا جعلت الجامعات والصحافة الأوروبية تلتفت إلى هذه التجربة الفريدة التي كسرت القوالب النقدية الأرسطية، وأبدعت أنماطًا جديدة من النقد الأدبي.
تميَّزت كتابات سانت بوف بالدقة المتناهية مع تفاصيل الحياة التي عاشها الأديب أو الشاعر ليقينه الجاد على تأثيرها الفعلي على أدبه وإنتاجه، كما تميَّزت حياته نفسها بالعمل الدؤوب، وبالنشاط المستمر، وبالعزيمة التي لا تكِلّ ولا تملّ، فكان يحبس نفسه في مكتبه المكتظ بالأوراق والكتب والأقلام، ولا يخرج للناس إلا بعد أن أعدَّ مقاله الأسبوعي الشهير (أحاديث الإثنين).
لقد اكتسب سانت بوف مكانة رفيعة في دنيا النقد والأدب، قلما اكتسبها غيره من النقاد، فهو الذي أحدث نقلة نوعية في تاريخ النقد الأدبي الحديث، ويُعدّ الأديب المصري الشهير طه حسين أول من أدخل طريقة سانت بوف النقدية في الأدب العربي، وتبعه عباس العقاد في معرض دراسته عن ابن الرومي، كما يُعدُّ بوف أول مَن فتح مجال النقد النفسي لسيجموند فرويد، وكارل جوستاف يونج، كما أن له الفضل على تلميذه هايبولت تين صاحب مدرسة تين الشهيرة، والتي تعتمد في نقديتها على أصولية العرق، كما أنه فتح مجال التطور الأدبي لبرونتيير، فهو بحق وحقيقة أبو النقد الحديث.
@albakry1814