الجيران كثر بالعادة في حياة الحارات القديمة، ولكن أقرب جار يميز بأنه القصير أي الذي تفصل داره عن دارنا أقصر المسافات، وكان أحد قصرانا في وقت ما رجل فاضل وقور يقال له أبو مسعود، في بيت أبي مسعود أربع شخصيات رئيسية الشخصية الأولى شخصية صاحب الدار العم مبارك العجمي، وكنا نناديه بأبوي مبارك، الشخصية الثانية شخصية ابنه مسعود ويميز هذه الشخصية التي لا يتجاوز عمرها إحدى عشرة سنة تصرفاته الرجولة وانغماسه في تربية الصقور التي تحتل مكانا بارزا في مدخل بيتهم الواسع، الشخصية الثالثة زوجة صاحب الدار خالتي بخيتة المرية، والشخصية الرابعة والدة صاحب الدار، وأم أهل الحارة التي يناديها الجميع بأمي شافعة. ولأنه ليس لدي مساحة كافية للحديث عن هذه الشخصيات بالإضافة إلى الشخصيات الثانوية من الأولاد، والبنات فسأركز فقط على علاقة أهل الحارة بالأم شافعة. أمي شافعة سيدة تجاوزت الستين بكل تأكيد من عمرها تجلس بشكل منتظم في العريش الكبير الذي يقع في مؤخرة القسم الداخلي من المنزل، وعلى يمين المكان الذي تجلس فيه حجرة كبيرة هي الوحيدة التي تملك مفاتيحها، وإذا كان هناك أمر عالي الأهمية فإنها تترك مكانها، وتتحرك لتفتح باب الحجرة أولاً مستخدمة كومة من المفاتيح المربوطة في طرف شيلتها المتدلية من الرأس إلى منطقة الصدر. كنا عندما نقوم بدور المندوبين بين نساء الحارة لطلب غرض ما مثل كيلة رز، أو بعض حبات اللومي العماني، أو بعض الملح، ندخل الفناء الواسع الخلفي المعزول عن مكان الرجال، ونتوجه إلى وسطه حيث تجلس أمي شافعه رحمها الله، ونبادرها بالطلب الذي عادة ما يبدأ بعبارة:
- تقول أمي...
كانت أمي شافعة هادئة وتعطي المرسول كل الوقت ليقول ما لديه بطريقته، وكانت تسأل بعض الأحيان نظراً لكثرة الجيران، فتقول:
- مَن أمك؟
فيرد الطفل منا باسم أمه، وكانت أحياناُ تطرح سؤالا لتتأكد من هوية الجارة صاحبة الحاجة. بقولها:
- أمك مرة فلان؟
وبعد أن تسمع الإجابة من المرسول، تلتفت إلى يمنها وتنادي بقولها:
- يا بخيتة، يا أم مسعود.
وغالباً ما كانت خالتي بخيتة ترد وهي مقبلة على أم زوجها وهي تعدل برقعها، بقولها:
- يالبيه يمه.
ومن بعد تصدر الأوامر بمنح الطفل المنتظر ما جاء في طلبه. بعد أن تخرج المفتاح المربوط في طرف شيلتها، وتسلمه لزوجة ابنها. لتتمكن من فتح غرفة الأرزاق وأخذ ما تريد.
علاقات أهل الحارة بأمهم الكبيرة متصلة حتى بين الرجال من أهل الحارة، حيث يسألون ابنها بالعادة عن صحتها، ويحدث أن يجتمع عند ابنها بعد صلاة العصر بعض رجال الحارة، ويسلمون على أم صاحب المنزل برفع أصواتهم سائلين عن حالها، وطلب الله لها بالصحة، والعافية. من الأدوار التي لا ينساها أطفال الحارة لأمي شافعة أنها تعالج من مرض جلدي يسمونه الحزاز، حيث كانت تمسك بنواة تمرة جافة وتمررها على مكان الحزاز الذي غالباً ما يكون في الوجه، وأثناء ذلك كانت تتمتم بكلمات غير واضحة هي في الغالب آيات قصيرة من القرآن وبعض الأدعية. بعد سنوات طويلة قابلت مسعود الصقار الصغير، وقد أصبح مسؤولا كبيرا في موقع مهم وألح على حضوري لمنزله العامر لأنني كما قال، ولد قصراهم.
@salemalyami