من البدهي العلم أن لغتنا العربية التي شرفها رب العزة والجلال فاختارها لكتابه الشريف اتسمت عبر مختلف العصور بصفات منفردة ذات انسجام كامل مع وجود الإنسان بموروثاته وأدبه وعلمه، وقد تجلت فيها حيوية تاريخ الأمة العربية بما زخرت به من تراث، فقد درجت لغة الضاد على تجديد قوتها بمآثرها وتحولها إلى فكر نابض ولغة حية وغنية لامتلاكها عناصرالتلقائية والعمق والثراء البياني، وهو تحول أدى إلى صلاحية استخدامها في كل عصر، ورغم اتصال العرب في عهودهم الماضية واللاحقة بمختلف الشعوب وتأثرهم بثقافاتها وآدابها وعلومها إلا أنهم احتفظوا برونق لغتهم وبريقها ومستويات مفرداتها بما تحمله من ذوق ورهافة هما من صور قوتها وسلامتها، ولها قدرة ظاهرة كما نعلم على الاشتقاق بما أكسبها حسن الإيقاع داخل أوعية لغوية استندت إلى أغراض من الضبط والقياس والقدرة على التنويع بما أهل لتأصيلها وجمع دقائقها ومعرفة ظواهرها ومشتقاتها فكثرت أبنيتها وصيغها والتفنن في استخداماتها النثرية والشعرية.
وليس بخاف أن اللغة العربية تميزت بمرتكز أولي هو السماع رغم أن ضروب القياس لم تكن مهملة عند أربابها القدماء والمحدثين، فهو نافذة واسعة لاستخدامات عديدة، وقد وصف خصائصه ابن جني في قوله بالحرف «اعلم أنك إذا أداك القياس إلى شيء ما ثم سمعت العرب قد نطقت فيه بشيء آخر مثل ما أجزته فأنت فيه مخير تستعمل أيها شئت، فإن صح عندك أن العرب لم تنطق بقياسك أنت كنت على ما أجمعوا عليه» وهو قول صائب ذلك أن القياس في جوهره يمثل «قانونا لغويا» إن جاز التعريف وهو أصل حيوي من أصول اللغة العربية وقد ربطه الأقدمون بعنصر السماع وتمت لهم الموازنة الدقيقة بينهما، وها هو سيبويه يقول «اعلم أن ليس كل حرف يظهر بعده الفعل يحذف فيه الفعل، ولكنك تضم بعد ما أضمرت فيه العرب من الحروف والمواضع، وتظهر ما أظهروا، وتجري هذه الأشياء على ما أجروا فقف من هذه الأشياء حيث وقفوا ثم قس بعد» وهذا يعني أن في العربية أقيسة ممنوعة ومفردات لم تستعمل، فالمشتقات فيها من هذا المنطلق ليس لها نسق واحد، وهو ما يعني أنها لغة اشتقاق له أثره البين في رسم القواعد القياسية وصحتها وفقا لاستخدام مفرداتها لأي غرض من الأغراض.


