[email protected]
لولا توثيق وتدوين المعارف منذ أن عرفا ما كان بالإمكان الوقوف على ما نسميه بالموروث الفكري في عصرنا الحاضر، فالإنسان منذ البداية سعى لتخزين المعارف في كتب مقروءة لتبادلها وحفظها، فجاءت أهمية الكتاب لاسيما بعد اختراع الطباعة عام 1475م ليتحول إلى وسيلة مهمة لخزن المعارف وحفظها، ورغم ما طرأ في عالمنا الحديث من ثورة اتصالية هائلة تجلت علاماتها في هذه الشبكة العنكبوتية، التي حولت العالم كله إلى ما يشبه القرية الصغيرة، وهي إفراز طبيعي للتقدم العلمي في مجال التقنية ونقلة نوعية في عالم المعرفة الواسع إلا أننا لا نستطيع في واقع الأمر تجاهل الدور الأساسي للكتاب المقروء رغم نفوذ الكتاب الإلكتروني وانتشاره وفقا لتلك الثورة الاتصالية العارمة، فالكتاب المقروء يمثل وحدة فكرية سائدة رغم ما أفرزته التقنيات المعاصرة من متغيرات، ورغم ما تعرض له من «انكماش جزئي» إن صح التعبير أمام تفوق التقنية الحديثة وتطوراتها المشهودة.
صحيح أن الكتاب الإلكتروني تحول إلى إنجاز معلوماتي هائل غير أن ذلك لا يعني تهميش الكتاب المقروء وإلغاء دوره المتميز كحافظ للذاكرة على اعتبار أن القضاء على العقل البشري بوساطة عالم الأقراص لا يبدو أمرا مستساغا، فالعلاقة بين الإنسان والكتاب الورقي هي علاقة وجدانية غير قابلة للانفصام في ظل الزخم المعلوماتي المصاحب لثورة التقنية، الذي وصل إلى درجة من التضخم والتفجر قد لا يميل إليه الإنسان كل الميل في عصرنا الحاضر بما يدعو للقول إن التوافق بين الكتابين الإلكتروني والمقروء قد يبدو نهجا سائدا في المستقبل على الأمدين القريب والبعيد، غير أن الحقيقة التي يجب أن تقال إن الكتاب الورقي رغم تلك الثورة التقنية سيظل متربعا على عرش الوسائط المعرفية الحديثة لسهولة امتلاكه وتنقله، فهو أهم عنصر من عناصر انتقال المعرفة والثقافة بين البشر، فالمناداة بدور نشر دون ورق، وكتاب دون ورق لا تبدو صائبة، فالكتاب المقروء لا يزال محتفظا بمكانته ودوره في حياتنا، وليس من السهولة بجرة قلم الادعاء بأنه لا يمثل الأسلوب الأمثل لكسب المعرفة وتداولها.



