@salemalyami
في أعقاب الأحداث الأخيرة التي شهدها السودان والتي تمثلت في حل المجلس الانتقالي، ورئاسته بصورة واضحة من قبل المكون العسكري، في الوقت الذي ألغي دور المكون المدني الجناح الثاني للسلطة، ولو نظرياً في السودان، ولكن الأمر لم يطل حيث واجهت السلطة الجديدة ضغوطا شعبية، وإقليمية، ودولية للعودة إلى توازن الشراكة بين المكونين المدني، والعسكري، والالتزام بالفترة الانتقالية التي ستنتهي خلال عام تقريباً، أملاً في حالة جديدة يقال إنها ستكون ديمقراطية في السودان يتم بموجبها كما أعلن قيام انتخابات ربما برلمانية، ورئاسية، وتبدأ السودان في العودة للهدوء، وللعلاقات الطبيعية مع المحيطين العربي الإقليمي، والدولي. في خضم كل ذلك صورت بعض القنوات الفضائية الإخبارية لقاءات كثيرة مع عدد من الناس في شوارع العاصمة الخرطوم، من الجنسين، نساء، ورجالا. عبروا للكاميرات عن طموحهم، ومواقفهم مما حدث، وكان من بين تلك اللقاءات لقاء مع سيدة سودانية كررت للقناة الإخبارية باللهجة السودانية المحببة: «دايرين مدنية، دايرين مدنية». القناة المحترمة أعادت بث هذا المقطع القصير المعبر، والمؤثر، مما أتاح لي وربما لغيري تفحص المشهد، واللحظة تلك، حيث رصد من تابع حديث السيدة السودانية أنها من الطبقة المتوسطة، أو الطبقة الأعلى قليلاً حيث تظهر على الشاشة بلباس جيد، وبمكياج يكاد يكون كاملا، وكانت تتحدث لكاميرا القناة تلك وهي تقعد أمام مقود سيارتها الخاصة التي لم يتبين نوعها، أو موديلها. أحياناً عندما نتفحص التفاصيل الصغيرة، ونبحر في تحليلها نصل إلى أفكار، ورؤى جديدة قد تخلق مشهدا أعمق، وتصورا أكبر، وربما أفضل. وهذا بالتحديد ما دعاني للتعليق على هذه اللقطة، التي ولدت ربما عابرة في رحم أزمة سياسية، واجتماعية، واقتصادية. السودان اليوم يعيش حالة حادة من الانقسام بين ما أصبح يعرف بالمكونات المدنية، والعسكرية، والقوى الأخرى الشعبية، أو الوطنية، أبعد من ذلك البلاد يحيط بها شبح توتر خارجي تمثل في مناوشات على الحدود مع الجانب الإثيوبي، وراح ضحية بعض تلك المناوشات ضحايا من السودانيين. فيما أعقب سقوط نظام البشير ظهر الخلل أكثر من أي وقت مضى بين مكونات المجتمع السوداني، وتناثرت دعوات هنا وهناك تتحدث عن سلطات الأقاليم، والتفكير في شكل جديد تدار به، وظهر على السطح قوى جديدة تستطيع حمل السلاح، وعزل الأقاليم عن بعضها، والسيطرة على البنية التحتية للبلاد مثل الموانئ، وطرق النقل، وذلك بعزل أقاليم كاملة بقوة السلاح، وهذا يعني إفراز شكل جديد من المؤثرين في الحياة السياسية، والاقتصادية لا يقوم على رؤية واضحة سواء قانونية، أو دستورية.
السودان الدولة، والمجتمع، والتاريخ على مفترق طرق، هذا أنسب تعبير يمكن أن يعبر عن قلق المراقب، الذي لا يريد أن يهول في الأمور، وفي ذات الوقت يجد نفسه ملزماً بالاقتراب من توصيف حقيقي لما يحدث على أرض الواقع. فالوقت المتبقي من عمر المرحلة الانتقالية سيكون غابة مملوءة بالأشواك، وعدم الثقة بين الشركاء، وعودة دولة رئيس الوزراء إلى ممارسة مهامه تبقى خطوة يعوزها التأكد على مفهوم تقاسم السلطة، أو المشاركة في إدارة البلاد. علاقات السودان الدولية، خاصة مع القوى التي اعتادت على تقديم المنح، والتسهيلات الاقتصادية مرتبط بما يحدث بين الفرقاء في الداخل، وبصورة أوضح كل ذلك يعتمد على الخروج من عنق الزجاجة، والوصول للمرحلة ما بعد الانتقالية، التي يصعب تصورها اليوم بدون ثوابت يصنعها أهل السودان أنفسهم بمعاونة المجتمع الدولي. أعود للسيدة السودانية، التي تريد المدنية، الكل في الحقيقة يريد الاستقرار، والحياة الطبيعية في السياسة وفي مناحي الحياة الأخرى، ولكن لو تصورنا أن مَن أتيحت لها الفرصة للحديث أمام كاميرات التليفزيون سيدة من الريف مزارعة، أو ربة منزل، هل تعتقدون أنها ستطالب بالحكومة المدنية، أم بشيء آخر، يؤمن لها ولأطفالها لقمة العيش، ويكفيهم شر الحروب مع الجوار، والتنازع بين مكونات الداخل.
@salemalyami
@salemalyami



