جاء الأمر بالهجرة من ظلام الغار إلى نور الإسلام، والهجرة من ظلم قريش إلى عدل الإسلام، والفرار من الكفر إلى الاحتفاظ بدين الإسلام، والخروج من دار الأرقم بن أبي الأرقم إلى قصور الدولة، وكان الوقت قد حان للانتقال بالدعوة إلى مرحلة تأسيس الدولة، فقد مضى ثلاثة عشر عامًا على نزول الوحي في غار حراء، وقد التف حول هذا الدين رجال ونساء وأطفال لا يثنيهم عن هذا الدين العظيم أي شيء، كان بلال يصفع أمية بن خلف بكلمة أحد أحد، ويدوس على كبريائه بصبره على عذابه، وأبو بكر يطوف على المستضعفين ويعتق رقابهم ويحررهم من بطش مشركي قريش، وأسرة آل ياسر تقف شامخة في وجه أشد أنواع التعذيب، ليلقوا بشارة الحياة الأبدية في الجنة، وسعد بن أبي وقاص تريد أمه أن ترده عن هذا الدين أو أن تترك طعامها وشرابها حتى تموت فقال لها يا أمي لو كانت لكِ مائة نفس فخرجت نفسا نفسا، ما تركت ديني هذا لشيء، وعمر أخبر قريشًا كلها أنه مهاجر فإن كان فيها رجل فليتبعه! وحمزة صفع أبا جهل عند الكعبة وقال له: ردها علي إن استطعت! ولأن الله يعلم أن هناك من هو قادر على حمل هذا الدين العظيم، وأن هناك أكتافا متينة وقوية قادرة على حمل هذا الدين إلى بر الأمان والاستقرار، وأن هناك نخبة من صفوة الناس قادرين على تأسيس دولة، وقادرين على نشر الإسلام إلى شتى أنحاء العالم بالعدل والمساواة. وها هي ساعة الرحيل قد حانت، وكان يجب على النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج من مكة مهاجرًا إلى المدينة، ثم يعود إليها فاتحًا، هكذا أراد الله، وكان ثمن الهجرة بلوغ الإسلام مشارق الأرض ومغاربها، لكن كيف كان شعور رسول الله وهو يغادر مكة، لم تكن هجرة للنزهة إنها هجرة أشبه بفصل الروح عن الجسد. فراق الوطن وفراق الأهل، لا أحد يعلم كيف ودع الرسول بناته في تلك الليلة، ولا أحد يعلم ما هو شوقه إلى أن يضم خديجة إلى صدره ويقول لها لقد أصبحتُ غريبا في مكة يا خديجة. ما أخبرتنا به كتب السيرة أنه كان يتألم من أجلنا فقط.
[email protected]



