• الناس بين رَأْيَيْنِ منهم مَنْ يعتقد بأنها مكتسبة من خلال المواقف الحياتية أو من خلال القراءة، ومنهم مَنْ يذهب على أنها وراثة، من باب أنها موهوبة مُنذُ الوُلِادة، على الصعيد الشخصي أميل مع أنصار الرأي القائل إنّ الفراسة هي مهارة مكتسبة، فالقراءة والسفر والنوم الكافي والأكل الصحي وممارسة الرياضة، ومخالطة الناس كثيراً لها تأثير على الشخص، ولعلي استند إلى قصة الشافعي حينما خرج إلى اليمن في طلب وتعلم كتب الفراسة، وهذا لا يلغي إغفال احتمال الوراثة كما جاء مع موقف عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- مع أبو لؤلؤة المجوسي، من باب الأمانة العلمية.
• يروي التاريخ أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كان يسير في السوق ومعه أصحابه وقابل أبو لؤلؤة المجوسي، فقال له عمر: ألم أحدَّثك بأن تصنع الرحى، فقال أبو لؤلؤة المجوسي لعمر -رضي الله عنه-: (لأصنعن لك رحى يتحدث الناس بها)، فانصرف عنه عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ومعه أصحابه، فقال لهم: يهددني ويتوعدني بالقتل، فقالوا اقتله، قال أتودوا أن يقول الناس إن أصحاب رسول الله يقتلون على الشبهة، لا أقتله حتى يظهر ما يستوجب ذلك أمام الناس، الشاهد أنه اشتم من كلام هذا المجوسي أنه ينوي ما يقول.
• أما موقف الشافعي، فيُحكى عنه أنه يقول خرجت إلى اليمن في طلب كتب الفراسة حتى كتبتها وجمعتها، ثم لما حان انصرافي مررت على رجل في طريقي وهو محتبٍ بفناء داره، أزرق العينين، فقلت له: هل من منزل؟ قال: نعم، قال الشافعي: وهذا النعت من أخبث ما يكون في الفراسة! فأنزلني، فرأيت أكرم رجل بعث إليّ بعشاء وطيبٍ وعلفٍ لدابتي وفراشٍ ولحاف، فجعلت أتقلَّبُ الليل أجمعَ: ما أصنع بهذه الكتب، إذ رأيت هذا النعت في هذا الرجل، فرأيت أكرم رجل، فقلت: أرمي بهذه الكتب، فلما أصبحتُ قلتُ للغلام: أسرِج، فأسرَج. فركبت ومررت عليه، وقلت له: إذا قدمت مكة ومررت بذي طوى فسل عن منزل محمد بن إدريس الشافعي، فقال لي الرجل: أمولى لأبيك أنا؟ قلت: لا! قال: فهل كانت لك عندي نعمة؟ قلت: لا! قال: أين ما تكلفتُ لك البارحة! قلت: وما هو؟ قال: اشتريتُ لك طعاماً بدرهمين، وإداماً بكذا، وعطراً بثلاثة دراهم، وعلفاً لدابتك بدرهمين، وكراءُ الفراش واللحاف درهمان، قلتُ: يا غلام أعطه، فهل بقي من شيء؟! قال: كراء المنزل، فإني وسَّعتُ عليك وضيَّقتُ على نفسي، قال الشافعي: فغبطت نفسي بتلك الكتب، فقلت له بعد ذلك: هل بقيَ من شيء، قال: امض أخزاك الله، فما رأيت قط شراً منك، فأعطاه الشافعي ما أراد وعاد فرحاً وقال (يحيا علم الفراسة).
• بالختام بقي أن أقول:
يقول ابن نباتة السعدي:
ألا إن عين المرء عنوان قلبه
تخبر عن أسراره شاء أم أبى
@hatim80001


