يبدو للمراقب أن القضية الفلسطينية، ومأساة الشعب الفلسطيني الباسل، والمظلوم ستظل مستمرة في المنظورين القريب، والمتوسط. والسبب لهذه النظرة ليس حالة من التشاؤم، بقدر ما هي حالة مراجعة، وتمحيص للوضع العام للقضية، والشعب الفلسطيني، والمرور على كل المراوحات التي تتعلق بهذا الموضوع، وإخضاعها لموازين العقل، والمنطق، والواقع. في البدء يجب تذكر أسس مهمة وهي: أولا: أن الكيان الصهيوني الغاصب يحتل الأرض الفلسطينية، ويسلب الشعب الفلسطيني حقوقه، وكل يوم يجدد هذا الكيان عدوانه على فلسطين، وأهلها، عبر اقتطاع أجزاء جديدة كل حين من الأراضي الفلسطينية، إرضاء للمستوطنين، الصهاينة، وتطبيقا للخطط الصهيونية بتهويد الأرض، وإفراغها من سكانها، وأهلها الأصليين. الحقيقة الأخرى والتي من المهم كما نرى أن لا تغيب عن البال، ولا الذهن أن القيادة الفلسطينية التاريخية هي المسؤولة، والممثلة للشعب العربي الفلسطيني، والوحيدة في هذه الصفة بإجماع العرب، ورضاهم منذ سبعينيات القرن الماضي، وحال هذه الممثل الشرعي، والوحيد كما تقول القرارات العربية، منقسم على نفسه منذ أكثر من عقد ونصف تقريبا، فهناك السلطة الفلسطينية بقيادتها المعروفة، وبعلاقاتها الموثقة مع الأطراف العربية، والدولية، ومع الجانب الإسرائيلي، وفي ذات الوقت هناك حماس، وما تسمى بفصائل المقاومة الإسلامية، والشعبية، وهناك المعادل لأرضي المنقسم على نفسه أيضا، الضفة الغربية، في مواجهة قطاع غزة. هذه الثنائية عمقها أمران خطيران خلال العقدين الماضيين هما: الأول- الدعم السياسي الإيراني، وأطراف سياسية مليشاوية تأتمر بأوامر الحرس الثوري في سوريا، ولبنان، والعراق، واليمن. وخصصت لها أجندة سياسية إعلامية، ساعد في تعميقها، وتسويقها بشكل يكاد يكون قسري الدعم الخفي لها مما يسمى بجماعة الإخوان المسلمين. هذا التيار مناصر لحماس، وليس للسلطة الفلسطينية، ومناصر لغزة، وليس للأرض الفلسطينية، ومؤيد لتمرد القطاع ومناكفته لإسرائيل، حتى وإن كان الثمن موت الفلسطينيين بالمئات، وتدمير بيوتهم بالآلاف، وأدهى من ذلك غياب، بل تجاهل أمرين خطيرين. القضية الفلسطينية التي اختزلت في حماس، والأرض الفلسطينية التي اختزلت في القطاع، والشعب الفلسطيني الذي يتاجر بدمه بطريقة غير مسبوقة. من أراد مراجعة سريعة لما يحدث من تفتيت للقضية الفلسطينية، فليعد إلى حالات الصدام التي تمت على مدى العقدين الماضيين بين حماس، وإسرائيل. وليحص الخسائر البشرية في الجانبين، وكذا يرصد الخسائر المادية في الجانبين، ليتبين حقيقة ما يحدث. وليرصد التغير الذي يمكن أن نقبض عليه بأيدينا كعرب، وكفلسطينيين بأنه نصر، وتمريغ لأنف العدو في التراب. في الصراع الأخير الذي كان شرارته ما جرى في حي الشيخ جراح في القدس، أمطرت الآلة الإعلامية المخاتلة الأذن العربية المتعطشة إلى الانتصار الوهمي على الكيان الغاصب بترديد التفوق على ما يسمى بالقبة الحديدية الإسرائيلية، وانتشى البعض بتبادل مقاطع الفيديو لجنود، وأطفال إسرائيليين يهربون من الموت. روجوا كل ذلك على أنه النصر، نصر المقاومة التي تشعل جذوتها الصواريخ الإيرانية، وتجني ثمارها الصفوية السياسية فيما يسمى بالجمهورية الإسلامية في إيران. كمية المحاضرات، والندوات، والأفلام على وسائل التواصل الاجتماعي في العالم العربي حاصرت الإنسان العربي، بطريقة غير مسبوقة لتقنعه بأنَّ هناك نصرا، وأن مرد هذا النصر وقفة القوة الإيرانية مع الحق العربي، ولم يسأل أحد عن مقارنات الأرباح والخسائر على المستوى الأهم، والأعم، القضية الفلسطينية، والشعب الفلسطيني. التيارات الإعلامية عملت بشكل موجه ومكشوف لإقناع العقل العربي، والفلسطيني أنه يمكن تحقيق نصر على القوة الغاشمة في إسرائيل عبر صواريخ مخيفة بكل تأكيد ولكن تأثيرها في المعادلة الكبرى لا يتجاوز الصفر. الإيهام بالنصر حالة تمرر على الناس بحجم جماهيري، وكل من يحاول التحقق من تلك الحالة هو ضد القضية، وضد المقاومة، وضد الشعب الفلسطيني! وتبقى كلمة السر في الأمر كله لكل من يقرأ التاريخ، ويعرف بواطن الأمور، أن النصر أولا من عند الله، ولن يناله الناس إلا إذا غيروا ما بدواخلهم من قناعات، وعاد الفلسطينيون، رجل واحد، وعاد العرب في مقدمة الركب لاستعادة الحقوق، وتقرير مصير الشعب الفلسطيني بالسلم، أو بغيره.
salemalyami@



