«رغم الاضطراب قصير المدى، الذي واجهه التصنيع الصيني في فبراير، ترجح التوقعات استمرار القطاع في إظهار قوته طوال عام 2021»
«شهدت الصين بالفعل انخفاضا في حصة التصنيع باقتصادها من 32% في عام 2010 إلى 26% خلال عام 2020»
وقد يبدو من الغريب بالنسبة للصين -التي تعتبر الحصان الأسود في قطاع التصنيع العالمي، كما اكتسبت حصة من سوق التصدير العالمية أثناء الوباء- أن تقلق من تراجع قطاع التصنيع. لكن في الحقيقة هذا القلق لا يأتي من فراغ، والسؤال الذي يحتاج إلى إجابة هنا: هل تملك بكين الأدوات المناسبة للتعامل مع هذا التحدي؟
ويرى معظم البلدان أن نصيب التصنيع في اقتصادها ينخفض مع زيادة مستوى الدخل، حيث يمتلك المواطنون الأكثر ثراء أموالا أكبر لإنفاقها على خدمات مثل الرعاية الصحية والترفيه، وشهدت الصين بالفعل انخفاضًا في حصة التصنيع في اقتصادها من 32% في عام 2010 إلى 26% في عام 2020.
وهذا لا يمثل مشكلة في حد ذاته، كما أنها لا تزال متفوقة على الاقتصادات الكبيرة الأخرى مثل الولايات المتحدة واليابان.
ولكن ما يثير القلق بشأن هذا الاتجاه هو الإطار، الذي يحدث فيه، حيث يميل التصنيع إلى أن يكون أكثر إنتاجية من قطاع الخدمات في معظم الاقتصادات، ولكن قد يكون ذلك أكثر وضوحًا بشكل خاص في الصين؛ نظرًا لأن أجزاءً كبيرة من قطاع التصنيع في البلاد تتكامل مع سلاسل التوريد العالمية، بينما يظل قطاع الخدمات معزولًا بشكل كبير.
ولا يزال قطاع الخدمات في الصين واحدًا من القطاعات الأكثر انغلاقًا على نفسه ضمن الاقتصادات الرئيسية الكبرى، وفقًا لبيانات من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ويقف على قدم المساواة مع نظيره روسيا.
وفي عام 2020، وبالنسبة للخدمات الرقمية على وجه التحديد، احتلت الصين المرتبة الثانية ضمن الدول، التي لم تدخل خدماتها إلى 50 دولة مدرجة، وتليها كازاخستان بفارق ضئيل.
ويُحسب للمسؤولين الصينيين إدراكهم المتزايد لكون نقص المنافسة يمثل مشكلة كبيرة، وظهر ذلك في ضغط المسؤولين الأخير على عمالقة الإنترنت، مثل شركتي تينسنت وعلي بابا.
ولكن ما لم يتضح بعد هو ما إذا كان هذا الضغط سيؤدي إلى تحسينات حقيقية في الإنتاجية، أم سوف يتسبب ببساطة في تعزيز مكانة الشركات، التي تملك صلات بالقادة السياسيين، مثل البنوك الحكومية الكبيرة، على حساب المبتكرين مثل شركة آنت جروب التابعة لشركة علي بابا.
في الوقت نفسه، فإن إستراتيجية بكين لدعم التصنيع بشكل مباشر تعتبر نعمة ونقمة؛ فمن ناحية ستساعد الصفقات التجارية والاستثمارية الجديدة مع أوروبا والدول الآسيوية على دعم قطاع التصنيع، وكذلك سيكون وضع هدف لزيادة الإنفاق الأساسي لمدة خمس سنوات على الأبحاث مفيدًا، كما بدأت الجهود المبذولة لزيادة الانفتاح في قطاع السيارات تؤتي ثمارها بالفعل.
لكن من الناحية الأخرى، تعمل بكين أيضًا على تنفير الشركاء التجاريين الرئيسيين للدولة، من خلال اتباعها سياسة قومية عدوانية، ويأتي ذلك في الوقت الذي تبلغ فيه القوة العاملة الكاملة في الدولة أعلى مستوياتها.
وشهدت أسواق العمل الحضرية في الصين تشديدًا كبيرًا على مدار العامين الماضيين، حيث وصلت نسبة فرص العمل في المناطق الحضرية مقارنة بعدد العمال إلى 1.4 في أواخر عام 2020، ارتفاعًا من 1.1 في عام 2017.
أيضًا، وفي وقت ليس ببعيد، قد تصبح ضغوط التكلفة أعلى بكثير مما اعتادت عليه الشركات متعددة الجنسيات، التي تعمل في الصين.
ويبدو أيضًا أن بكين تلتزم بشكل متزايد بإستراتيجية استبدال البضائع المستوردة، التي تقودها الدولة في قطاعات أشباه الموصلات والطيران وقطاعات التكنولوجيا الفائقة الأخرى باهظة الثمن. وقد ينتج عن ذلك في نهاية المطاف ظهور بعض المنافسين العالميين الحقيقيين في هذه القطاعات، على الرغم من أنه -على عكس اليابان أو كوريا الجنوبية أو تايوان- يتعين على بكين التصدي لمعارضة الولايات المتحدة الشديدة لتقدم الصين في سلسلة القيمة.
ولكن يمكن أيضًا أن ينتج عن ذلك ببساطة مجموعة من الشركات، التي تميزها الحكومة الصينية وتركز على السوق المحلية فقط، بينما تمتص الموارد، التي تقل بشكل متزايد من المصدرين.
وخرج اقتصاد الصين من عنق الزجاجة بعد التعافي من الوباء، وعلى الرغم من الاضطراب قصير المدى، الذي واجهه قطاع التصنيع في فبراير، يبدو استمرار إظهار قطاع التصنيع لقوته أمرًا مرجحًا طوال عام 2021.
ولكن للحفاظ على القدرة التنافسية، لا تزال بكين بحاجة على الأرجح إلى اتخاذ بعض القرارات السياسية الصعبة. ومن أهم هذه القرارات: تحرير القوى العاملة المتقلصة حتى تتنقل بسهولة أكبر بحثًا عن أفضل الوظائف، وإصلاح العلاقات مع عملائها الكبار في الخارج.