«لم يكن لبرمجيات الذكاء الاصطناعي الرياضية أبدا أجساد مادية على غرار الربوت كيرلي، وكانت أدمغتها موجودة فقط في العالم الرقمي».قد تبدو الروبوتات التي تعمل في الشوارع التقليدية حول العالم خرقاء أحيانًا، وربما تتخذ قرارات خاطئة، وتتخبط على الأرصفة، وتسقط من السلالم، أو تغرق في ينابيع المياه. ولكن يتحسن الأمر كثيرًا عند عمل الروبوتات على الجليد.«يمثل اختراع كيرلي خطوة مهمة إلى الأمام في مجال دخول الروبوتات إلى الملاعب الحقيقة وليس فقط الملاعب الرقمية».
فرياضة الكيرلنج، والتي تسمى أحيانًا بـ«الشطرنج على الجليد» تعتبر ساحة مفتوحة للحركة الديناميكية، مما يجعلها بيئة تدريب مثالية لروبوتات المستقبل الذكية، وفقًا لبحث جديد.
ويجيد البشر في تلك الرياضة اكتشاف الحركات المعقدة لتفاعلات الجسم والجليد التي تؤثر على كيفية انزلاق الأحجار العملاقة عبر سطح متجمد. ومع ذلك، يمكن أن تتفوق عليهم الآلات في هذا المجال.
وحتى الآن يعتبر كيرلي Curly، وهو روبوت جديد يلعب الكيرلنج، ذا قدرة أفضل على التعامل مع تلك التعقيدات، وذلك بفضل الدماغ الاصطناعي الذكي الذي يملكه هذا الروبوت، وبفضل هذا الدماغ يمكن لكيرلي تقييم البيئة الجليدية، ورسم خريطة لها بسرعة، وتقييم حالة اللعب والإستراتيجيات المثلى للفوز، وذلك وفقًا لما تؤكده ورقة بحثية نُشرت يوم الأربعاء الماضي في مجلة ساينس روبوتكس Science Robotics من إعداد فريق من علماء الروبوتات في جامعة كوريا في سيول.
ومؤخرًا، تغلب الروبوت - الذي تم تصميمه باللون الأبيض على شكل سلحفاة - على نخبة لاعبي الكيرلنج في كوريا الجنوبية في سلسلة من أربع مباريات، وخسر مرة واحدة فقط، وفقا للدراسة التي تمت من أرض الملعب.
ويعتبر انتصار كيرلي أحدث مثال على تفوق الآلات على البشر في الألعاب الرياضية التي اخترعها البشر بأنفسهم، ولكنه يمثل خطوة مهمة إلى الأمام في مجال دخول الربوتات إلى الملاعب الحقيقة وليس فقط الملاعب الرقمية.
وكانت المكاسب الكبيرة الأخرى للروبوتات في البيئات الرقمية فقط، والتي لا تقف فيها فيزياء العالم الحقيقي والتغيرات المستمرة في شكل اللعب وسلوك البشر كعائق أمام الروبوت.
وجاءت الهزائم السابقة للبشر من خوارزميات الذكاء الاصطناعي في مجالات رياضية متنوعة، بما في ذلك روبوت بوكر تشامبيون الذي صنعته شركة فيس بوك Facebook Inc وروبوت ألفا جو AlphaGo من صناعة شركة جوجل ديب مايند Google Deepmind، كما لم يكن لبرمجيات الذكاء الاصطناعي الرياضية أبدًا أجساد مادية على غرار الربوبت كيرلي، وكانت أدمغتها موجودة فقط في العالم الرقمي وتنافس البشر دون أن يكون لها وجود ملموس.
وقال مايك هالي، نائب رئيس الأبحاث في شركة أوتو ديسك Autodesk Inc.، التي لم تكن تشارك في تقديم برامج التصميم: «عندما تصنع روبوتًا وفي مرحلة ما، عليك أن تبدأ في التعامل مع العالم الحقيقي، ولكن اللعب قد يصبح صعبا حقًا على الإنسان الآلي هناك». وأضاف: «بيئات المحاكاة التي يتم تثبيتها في دماغ الروبوتات اليوم لا تمثل مطلقًا الفيزياء والسلوك الطبيعي للعالم بشكل كامل، لأن العالم الحقيقي معقد للغاية، وبياناته كثيرة جدًا من الناحية الحسابية».
وعمومًا، تعتبر الكيرلنج رياضة جماعية يستخدم فيها اللاعبون من البشر عصا لانتزاع ومناورة ودفع قرص أو حجر يبلغ وزنه 40 رطلاً عبر الجليد باتجاه هدف أحمر أزرق يشبه عين الثور. ويمسك الروبوت كيرلي الحجر باستخدام مقبضين ويسير به بالقرب من الجليد.
وعلى غرار اللاعبين البشريين، يقوم الروبوت كيرلي بإطلاق الحجر في نقطة محددة في الملعب بعد التنافس مع اللاعبين الآخرين للاحتفاظ به.
ومن الناحية العلمية، عندما تنتقل أدمغة الروبوت إلى أجسام ومساحات حقيقية - وليس رقمية -، فإنها لا تعرف كيف تفسر بالكامل ما هو غير متوقع، سواء كان ذلك وجود فتحة غير موجودة سابقًا أو تغييرات دقيقة في الاحتكاك، والرطوبة ودرجة الحرارة، وذوبان الجليد الذي قد يؤثر على كيفية انزلاق حجر، أو وجود بقعة غير محكمة من الشباك.
ويقول كلاوس روبرت مولر، خبير التعلم الآلي وأحد مؤلفي دراسة كيرلي: «إذا كنت ستثبت كل شيء يمكن أن يواجه الروبوت في الملعب فسيكون ذلك رائعًا» مضيفًا إن أداء الروبوت يكون مثالياً عندما تقل المتغيرات في الملعب، ولكن تأتي بعد ذلك مشكلة أنه مع كل رمية، يتغير الملعب بالكامل ويتبدل مكان العناصر والأفراد.
ولفت مولر أنه من المستحيل جمع بيانات كافية لحساب جميع المتغيرات التي يمكن أن تواجه الروبوت في الملعب، لذلك إذا تمسك الروبوت بما تعلمه في محاكاة لعبة كاملة، فلن يكون قادرًا على صياغة إستراتيجية رابحة، واستطرد: «حينها سيخسر الربوت المباراة بكل سهولة.»
وأشار الدكتور مولر، أنه حتى لو ألقى كيرلي حجرًا بطريقة كانت مفيدة خلال منعطف سابق، فإن التغييرات في الجليد والظروف المحيطة يمكن أن تؤثر على المسافة التي يقطعها حجر اللعب في الرمية التالية، وبالتالي لا يتمكن من تحقيق نفس النتيجة، مما قد يحدث فرقًا بين الفوز والخسارة.
وحتى اللاعبين البشريين من النخبة لا يحققون دائمًا نفس النتيجة عند تكرار نفس الرمية، وفقًا للدراسة. وقال الباحثون إن كيرلي وحده كان قادرًا على مطابقة هامش الخطأ هذا والفوز، وهو ما يجعله روبوتا مميزا بحق.
واستفاد الربوت كيرلي مما تعلمه من ملايين المحاكات، ودمج ذلك مع بيانات محدودة من الألعاب الحقيقية التي قام بها داخل الملعب لإجراء تعديلات على إستراتيجية الرمي الخاصة به.
وقال الباحثون إن هذا «يجعل الروبوت يغير خطة اللعب الخاصة به قبل كل منعطف دون أن يحتاج إلى إعادة برمجة مع كل رمية». وأضافوا إن إعادة البرمجة تستغرق وقتًا طويلاً للغاية وتكسر قواعد توقيت الكيرلنج، وبالتالي ستكون مستحيلة.
وقال الدكتور مولر إنه للسيطرة على الملعب الجليدي، تم تجهيز الروبوت ببرنامج مضاد للانزلاق، والذي بدونه كان لم يكن ليستطيع الدوران بشكل مستمر.
وخلال إحدى المباريات ضد نخبة اللاعبين في الكيرلنج، قام الروبوت بمسح الجليد لمعرفة إستراتيجيته، وتحريك الحجر نحو الهدف.
وفي رمية أخرى كان الحجر موجودا بالفعل على الدائرة الحمراء الداخلية، مما أدى إلى حجب المرمى وتقليل فرص كيرلي في الحصول على تسديدة مباشرة. وقتها توقف كيرلي عن الركض وراء البشر ووقف قبل الدائرة الخارجية الزرقاء، ثم فكر وانتظر اللحظة المناسبة للسعي وراء الحجر والتسديد بشكل مباشر. وانتهت المباراة بفوز الروبوت بالفعل.
ويقول جاي بونج يانج، رئيس لجنة تحسين الأداء في الاتحاد الكوري للكيرلنج، والذي عمل مع الباحثين لتدريب كيرلي، إن ميزة هذا الروبوت الكبيرة هي أنه لا يتوتر، مضيفًا: «الروبوت كيرلي يملك أعصابًا من حديد بالفعل».
ويقول مطورو الذكاء الاصطناعي وعلماء الروبوتات إن تكنولوجيا دخول الروبوتات للملاعب الحقيقية مثيرة للاهتمام، وقابلة للتطبيق في مجالات أخرى مثل التنافس بين السيارات ذاتية القيادة أو الطائرات بدون طيار.
ويعتقد البعض أن لعب الروبوتات على الجليد لا يكون ممتعًا، لأن المنافسة لن تتضمن وقتها السمة المميزة للكيرلنج البشري وهي التلقائية والغضب والأفعال غير المثالية. بينما تكون المباريات البشرية مفعمة بالإثارة والغضب، وكل لاعب يحاول فيها تقليل الاحتكاك وتسهيل انزلاق الحجارة نحو هدفها دون أن تكون النتيجة مضمونة في كل مرة تقريبًا- مثلما يحدث مع الروبوت -.
وقال ثان تيبتس، مدير الاتصالات في نادي بروكلين لايك سايد كيرلنج في نيويورك: «هذه أول مرة نشاهد فيها روبوتا يلعب على الجليد، ومن المؤكد أن الذكاء الاصطناعي في هذا المجال سيشهد تغيرات كبيرة».
ومع ذلك، قال: «العمل مع الروبوتات في هذا المجال يحتاج إلى مجهود كبير، مثلما هو الحال مع البشر أو حتى أكثر». وأضاف: «هناك الكثير من المشاكل التي يحاول العلماء حلها لدعم الروبوتات الرياضية، وهي نفس المشاكل التي يواجهها اللاعبون البشريون تقريبًا، مثل الظروف المتغيرة على الجليد ومحاولة الانتصار على الخصوم».
واختتم: «أود أن أدرب هذا الشيء يومًا ما».
ويشير المؤلفون إلى أن كيرلي كان قادرًا على اللعب بشكل جيد جنبًا إلى جنب مع البشر في فريقه باللعبة، حيث كان البشر يمررون الحجر ويرمي الروبوت.
وقال سونج وان لي، المؤلف الرئيسي لدراسة كيرلي: «هذه النماذج تعتبر مثالا جيدا للروبوتات التعاونية، والقدرة على استخدامها في العالم الحقيقي». واختتم: «الأمر لا يتعلق بمنافسة البشر للروبوتات وإنما بالتركيز على قدرات تعاون البشر والروبوتات رياضيًا مستقبلًا.»
ساهم فرانسيس يون في هذا المقال.