رغم وجود بعض الأخطاء التي شابت فترة حكم آبي، إلا أن دبلوماسيته والتزامه بالجيش سيجعلان اليابان تقف في وضع جيد بعد رحيلهأعلن رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي Shinzo Abe، يوم الجمعة الماضي، استقالته لأسباب صحية، وهذه خسارة كبيرة لبلاده. فخطط آبي التي وضعها لليابان كانت تسير على الطريق الصحيح، رغم أنه كافح كثيرًا للتغلب على المعارضة الراسخة، التي قاومت الإصلاحات التي كان آبي يعرف أن اليابان بحاجةٍ إليها.
ورغم أن «آبي» لم يكن يعلن في أجندته الاقتصادية أنه يستهدف تحويل بلاده إلى دولة «طبيعية» الشكل غالبًا، لكن تلك الكلمة مناسبة جدًا لوصف أهدافه. فمحليًا، كانت سياسات آبي الاقتصادية والمعروفة باسم «أبينوميكس» تحاول إخراج اليابان من سبات انعدام النمو الذي سقطت فيه، بعد انهيار الفقاعة الاقتصادية في التسعينيات، وكان هدفه هو تحويل ثالث أكبر اقتصاد في العالم إلى سوق عادي يعمل وينمو مرة أخرى. وعلى غرار نموذج رئيس الوزراء الياباني السابق جونيتشيرو كويزومي Junichiro Koizumi، رفض آبي قبول الركود.
وبعد أن تحرر رئيس الوزراء المستقيل من عبء الأزمة المصرفية التي ورثها بعد فترة السيد كويزومي، شرع في إطلاق خطة «الأسهم الثلاثة» الخاصة بالتوسعَين المالي والنقدي وإصلاح السياسات.
وللأسف، حرّك أول هدفين من خطة الأسهم الثلاثة فقط المياه الراكدة في سياسات اليابان المتصلبة. وحقق آبي من خلالهما بعض المكاسب المهمة، مثل: إصلاح الحوكمة الذي حفز الاستثمار النشط، ودفع شركات اليابان إلى التغلب على مشكلة التكتلات المعقدة والإدارة السيئة، كما اتخذ رئيس الوزراء المستقيل خطوات للسماح بمزيد من الهجرة، والتي ظلت لفترة طويلة من المحرمات في اليابان.
لكن الإصلاحات الضريبية والتنظيمية الأخرى تعثرت. وتعرقلت أجندته بعد فرض زيادتين في ضريبة الاستهلاك، حيث وجد آبي نفسه غير قادر على المقاومة سياسيًا، وكل من الزيادتين أدى إلى تراجع النمو.
وسيكون الإرث الاقتصادي الأهم الذي خلّفه آبي بعد تركه المنصب في اليابان هو إنجازه سياسات الأموال السهلة الاستثنائية التي أطلقها محافظ بنك اليابان هاروهيكو كورودا Haruhiko Kuroda، والذي اختاره آبي بعناية فائقة لتولي هذا المنصب.
ليس هذا فحسب، حيث كان تطبيع العلاقات اليابانية أيضًا السمة الغالبة على سياسات آبي الخارجية. وكان التحدي الأكبر أمامه يتمثل في إقناع الجمهور الياباني بقبول مسؤولية إقليمية أكبر فيما يتعلق بالأمور العسكرية، على الرغم من تاريخ البلاد. ولكن آبي لم يستطع تحقيق هدفه هنا أيضًا، بعدما فشل في تعديل الدستور لإزالة الالتزام الصريح بالسلام.
لكنه رغم ذلك استثمر في تعزيز قدرات الدفاع الذاتي في البلاد، وأنفق رأس المال السياسي في تعميق تحالفات اليابان مع جيرانها، وحلفائها مثل الولايات المتحدة وأستراليا. وكان تواصله في مرحلة مبكرة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ـ رغم أنه مؤيد للسياسات الحمائية الأمريكية ومتشكّك منذ فترة طويلة في روابط التجارة مع اليابان - حكيمًا وأدى إلى علاقة إيجابية بين طوكيو وواشنطن. وأضاع ترامب فرصة رد الجميل لرئيس الوزراء الياباني المستقيل، عندما سحب الولايات المتحدة من اتفاقية الشراكة التجارية عبر المحيط الهادئ، والتي كان آبي يعتمد عليها لفرض الإصلاح المحلي.
وعلى الرغم من بعض الأخطاء الدبلوماسية التي شابت فترة حكم آبي، مثل تعامله مع النزاع مع كوريا الجنوبية حول إساءة معاملة النساء الكوريات في زمن الحرب، فإن دبلوماسية آبي والتزامه بالجيش سيجعلان اليابان تقف في وضع جيد بعد رحيله، خاصة مع استمرار الصين في توسعها الإقليمي.
ختامًا، سيختار الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم في اليابان خليفة جديدًا لآبي في منصب رئيس الوزراء، ولا يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعيّن القيام به لتنشيط الاقتصاد الياباني، وإعداد البلاد وناخبيها للعب دور أكثر نشاطًا في الشؤون العالمية، ولكن رغم ذلك يمكن القول إن آبي ترك الأساس الذي يمكن لخليفته أن يكمل عليه.