بعد دخولنا الألفية الثالثة ماذا جرى؟ أو ما الذي تغير في التركيبة التقليدية للمثقف في علاقته بمفهوم النخبة؟
لقد جرى انزياح كبير لهذا المفهوم، بل انهدت أساسياته، ووقع البيت على من فيه، وانكشفت الحدود، وغارت السمات، وتشظت كل فكرة أو تصور في أذهان الناس عما تعنيه النخبة أو ما يعنيه المثقف تحديدا.
طبعا مثل هذا التحول أو لنسميه الانقلاب لم يأت في يوم وليلة، أو أنه حدث فجأة دون أسباب تأخذ رقابها برقاب بعض. أتذكر في عقدي الثمانينيات والتسعينيات كانت الأنشطة الثقافية في المؤسسات الرسمية في مجتمعنا السعودي تمثل العلامة على صوت النخبة المثقفة، وتعلن عن حضوره باعتباره مثقفا. وكان هذا الحضور أو الحراك من القلة بحيث لا يغيب اسم مثقف عن أذهاننا سواء على المستوى الفكري أو الأدبي، ولا الأنشطة المرتبطة به منبريا أو نصيا. وهذه أكبر دلالة على محدودية النخبة كما ونوعا وبالتالي المثقف، وليس دلالة على الفاعلية فقط.
الآن بفعل التحول الذي طال بنية ثقافة المجتمع، وارتباط هذه البنية بشبكة معلوماتية تدار ضمن حركة عولمة الكائن، وبرمجة عقله برمجة رقمية، بحيث تلاشت معها جميع الحدود التي كان يضعها ذهن الإنسان في تصوراته للأشياء والعالم، وأصبح هذا الذهن أو العقل يرى نفسه مثقفا ومفكرا وشاعرا في نفس الوقت دون أدنى تناقض أو حتى الإحساس بهذه المشكلة التي خلفها إمحاء الحدود. ودخلنا معها في ظاهرة ما نسميه الثقافة الشعبوية تزامنا مع ما يتصل بهذه الظاهرة الشعبوية في جانبها السياسي الديمقراطي حول العالم. المأساة في الأمر كله حين تجد مثقفا نجما تمرس النجومية فيما قبل هذه التحول. لكنه حينما استشعر فقد هذه النجومية صار يبحث له عن نجومية في وسط لا يسمح له بذلك مثلما هو الحال في طريقة عمل شبكات التواصل الاجتماعي، التي لا تتيح لك الفرصة أن تكون نجما على طريقة المنابر التقليدية.
@MohammedAlHerz3



