وها نحن نرى أن الأولويات قد تغيرت بسبب هذه الجائحة، وأن أهم شيء لدى الإنسان هو الصحة والعافية. فبدون الصحة والعافية لا يستطيع الإنسان القيام بالواجبات والأعباء المنوطة به، ولا حتى الاستمتاع بالأوقات والحياة. ولذلك جاء في الحديث.. قام أبو بكر الصدِّيق على المنبر ثمَّ بكى فقال: قام فينا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عامَ الأوَّل على المنبر ثمَّ بكى فقال: ((سلوا اللهَ العفوَ والعافية؛ فإنَّ أحدًا لم يُعطَ بعد اليقين خيرًا من العافية)).
إذا النعمة الأولى هي أن نبقى في بيوتنا من أجل صحتنا وعافيتنا.
والنعمة الثانية بعد الصحة هي الوقت. وأوقاتنا التي نقضيها في البيت ليست فراغا وعبثا! وعندما يقضيها البعض في كثرة الأكل والنوم، فهو هدر للطاقات والعقول والأبدان. وقد قال عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه -: إني لأكره أن أرى الرجل فارغا، لا في عمل الدنيا، ولا في عمل الآخرة.. يعني سبهللا!
وقد روي أن أحد الصالحين مر على قوم جلوس في الطرقات ليس لهم هم إلا إضاعة الوقت في الحديث الفارغ، فكان يقول: ليت أن الوقت يباع فاشتريه؟! وسنجد شاهدا وصورة مشابهة لذلك حين نقرأ بعضا من التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي لمن يشتكي من الملل والفراغ ويردد كلمة: (طفش)!! وأنه لا يجد ما يقوم به أثناء تواجده في البيت. والواقع أنه بقليل من البحث والجهد على الإنترنت سيجد الكثير من الاقتراحات والدورات ومواد لقراءة الكتب أو الاستماع لها، أو طرق الكتابة والتأليف، أو البرامج الثقافية المتنوعة، أو تعلم لغة أو برمجة وتصميم، أو الفنون والرسم، وغيرها من مئات الأفكار المختلفة والمتجددة. ولن يعجز أبدا من يفكر بالحلول لا بالمشكلة لأننا حين نركز على المشكلة تطوقنا بذراعيها!
ولا تندهش حين أقول لك إن هذا الفراغ الذي يشتكي منه البعض قد لا يعي قيمته حتى يفقده! والشباب خصوصا سيفقدونه عندما يركض بهم العمر وتزداد الأعمال والمسؤوليات. والواقع أنه حين يقترب الإنسان من سن شباب الشيخوخة (الخمسينات من العمر) سيلتفت إلى تاريخه وسينظر في صفحات عمره المملوءة والفارغة وعندها سيعرف معنى وألم (الفراغ).
ولا تظنن أن المقصد من هذا المقال هو التنظير! ولكن التنبيه والعاقل تكفيه الإشارة، فلعلنا نستثمر ولو جزءا من هذه الفترة بالنافع والمفيد لأن الوقت سوف يمضي شئنا أم أبينا! وقد جاء في الحديث النبوي: «اغتنم فراغك قبل شغلك».
ونحن اليوم نملك كل الوقت أما غدا فقد يملكنا هو بكثرة المهمات غير الضرورية ذهابا وإيابا!
abdullaghannam@



