وتصبح المواجهة ما بين مجموعة متمسكة بتاريخها بـ «شينه وزينه» ترفض أن تناقش فيه، وأخرى متطلعة وترى الحاضر والمستقبل بشكل مختلف، وهنا بالتحديد يحدث الصدام ما بين حاجات ملحة يفرضها الزمن ورغبات تقليدية تزدريها، وما يزيد الأمر سوءا في هذه العملية، هو الموقف الرافض غير المبرر بتبريرات مقنعة أو صالحة للقبول في وقت تختلف فيه كل المعطيات والوقائع، لأن هذه الحجج تدور في فلك واحد «العيب» «العادة» و«كنا عايشين كذا» والخوف المبالغ به، كلها مبررات غير منطقية على الأقل بالنسبة لأبناء الجيل الجديد، من غير المنطقي أن يطلب من الأبناء العيش وفقا لأساليب، وعادات، وظروف أكل عليها الدهر وشرب بدعوات كالتي ذكرتها، فهي صالحة لوقتها فقط ولا يمكن أن نأخذها معنا في كل زمان، وإن ارغموا الأبناء عليها فلن يلبثوا حتى يتشربوا الشعور بالكبت والاضطهاد مع الوقت، ولا أرى في كل هذه الأمور إلا نتيجة واحدة وهي «التنافر» الشديد وربما «الكره» في بعض الأحيان!
ولعلي في حديثي هذا أخص الفتيات؛ لأنهن أكثر تعرضا للرفض، وتهميش احتياجاتهن، واعتبارها من الثانويات، أو حتى خارج حدود الاحتياجات بالأصل، وهذه للأسف حقيقة موجعة، ومن صميم الواقع نرى نماذج كثيرة منهن تقتصر دورات حياتهن في حدود ضيقة، متكررة، يحظون بالقليل من الحياة مرة، بينما يفوتهن الكثير منها مرات عديدة، ولا يبدو لي هذا التعنت سوى مسبب كبير لحالات الهروب التي حدثت وما زالت، وكم آلمني عندما اطلعت على بعض من هذه القضايا وعلمت بأن هروبهن كان الوسيلة الوحيدة لعيش حياة لم يتسن لهن الحصول عليها مسبقا في كنف أسرهن.
كل ما أقوله هو أن ما يحتاجه الأبناء مساحة للتعبير والاختيار وعيش حياة تناسبهم لا ذويهم، وفضلا عن كون هذه المساحة حق إنساني أصيل، فبمقدورها أيضا هدم الكثير من الحواجز التي تمنعهم من التواصل والعيش المثالي مع أسرهم، من الأصالة ألا يتخلى الآباء والأمهات عن ماضيهم، لكنه من الظلم أن يرغموا أبناءهم على العيش فيه، ومن الحكمة أن يتقبلوا ويتعايشوا مع تطورات الزمن، بدلا من محاربتها لأنها حتمية، ومن الحكمة أيضا أن يسعوا لكسب أبنائهم إلى جانبهم بدلا من خسارتهم بعيدا.
@naevius_



